عمر بن عبد العزيز حياته وآثاره لنصر العامري - ب تخرج
الجزء ١ · صفحة ٢الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا، والصلاة والسلام على من أرسل كافّةً للناس بشيرًا ونذيرًا، وعلى آله وصحبه والتاّبعين بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أمّا بعد: كان لابد أن يقيض لهذا الدين الجامع، وهذه الرسالة العظيمة من يتعّهدها ويتولاّها بالتضحية والبذل والفداء، من بني البشر، ولكن هذه المثل وهاتك المطلوبات لا تتوافر في كل معادن الناس، أو طرازاتهم المتباينة، إنّما يتطلب ذلك نوعًا خاصًّا متميّزًا من الرجال.
… لابد من جنديٍّ قوي يتقلّد حسامًا قويًا بتارًا، ولابد من أمير أو خليفةٍ يعطي الأمل والنموذج والقدوة، في الورع والزهد والتقوى وعدم الانشغال بالدنيا، وأن يكون كل همّه الآخرة الباقية وكل ما يقرب منها ويؤدي إليها، من قول وعمل.
… ولهذا كان صحابة رسول الله "رضوان الله عليهم"، وخلفاؤه وتابعوه من زمرة الحنفاء والأبرار الصالحين، لم تثرهم الشهوات الفانية، ولم يغلبهم زيفها البراق الخدّاع.
وأين نجد من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتابعيه، لقد تغيرت الأيام وصار كثير من الناس همهم الحصول على مرادهم من غير مبالاة بحليته وحرمته، ولعلّ هذا هو السبب فيما وصل إليه المسلمون من تخلّفٍ وتقهقرٍ وضياعٍ، ها هو سبب انتهاج الشهوات وتجافي مثال الصالحين الخلَّص، أدى بالناس يرسفون في أغلال التبعية القاتلةِ.
… فهذا هو عمر بن عبد العزيز أو ما يسمّى بخامس الخلفاء الراشدين، جاء بالأخلاق الفاضلة، والسياسة الحكيمة، والأوصاف النبيلة، فقد كان شديدًا في الله على الأشرار أهل الأهواء. لينًا حليمًا رحيمًا على المستضعفين والفقراء، وبأس على الظالمين، وخوف من الله شديد، ورأي في المعضلات سديد، فقد ملأ الأرض عدلاً وزهدًا وورعًا، وأقبل على الله سبحانه بقلب خالص عامر باليقين، حاملاً لواء السلف؛ حتّى استقام له من الأمر بجدِّه، ما لم يستقم لأحد من الخلفاء، ولاسيما في هذا الزمان الذي قلّ فيه المعتصمون بحبل الإسلام والداعون إليه.