Nouveau Microsoft Word Document
الجزء ١ · صفحة ١٢٤هذا هو واقع الفكر الاستلابي والاستعلائي والاستكباري في الأرض، ولكن ما موقف العالم الإسلامي من هذه الحضارة الغربية؟ يجيب أبو اليقظان بقوله: «وبناء على ما تقدّم، فماذا تدبير المسلم، وما هي حيلته اتّجاه هذا التيّار الجارف؟ فهل يقف موقف المتفرّج … فيجرفه التيّار بما معه؟ فيخسر سعادته في الحياتين معا، أو يحتال بقدر الإمكان للسّلامة والنجاة من خطره الداهم، ويعمل فكره للاستفادة منه أكثر ممَّا يمكن؟»(1).
إذن فما على المسلمين - حسب رأي أبي اليقظان - إلاَّ أن يحتالوا على الأقلِّ ليحافظوا على أنفسهم، وذلك بإعمال الفكر؛ ممَّا يؤهّلهم إلى المحافظة على كيانهم.
على العموم، هذه هي شخصيَّة أبي اليقظان، وهذه بعض مواقفه الفكريَّة التي منحها كلّ البقاء، لأنَّه غذَّاها من نبضه، حين أعطى لكلِّ القضايا قيمة ومعنى. وهو في كلِّ ذلك مفكِّر واقعي النظرة، بعيد التحليل، عميق التعليل، حَسَن الإقناع؛ باستقراء الحوادث والوقائع، وتبيان السنن الإلهيَّة فيها؛ ممَّا جعلنا نقف أمام أفكار شاملة الرؤية؛ يتكامل فيها الماضي والحاضر والمستقبل.
مهما يكن فإنَّنا نقف أمام رجل، كرَّس حياته لإضاءة أبناء وطنه، وكشف أنواع الزيف والنفاق؛ فكان معلِّما تهتدي به الهداة في حيرتها؛ وأضواء كاشفة لسبل الرشاد، ومحرِّرا من قيود الجمود، وعالما طويل النفَس، يناقش الموضوع الواحد من جميع الجوانب والرؤى، ويستعرض الآراء الخاصّة به ويقلّبها على وجوهها، ويتقمّص جزئياتها، ويسهب في تفاصيلها تحليلا وتعليلا؛ بتدرّج منطقي؛ حيث تتوالد أفكاره، وتتوالى نتائجه من الأسباب، فلا يشعر القارئ بالضّجر منها أو الملل، ممَّا جعل الطول سمة من أهمّ سمات مقالاته؛ لعمق تحليله وإيمانه برسالته الصحفية الإصلاحية، وقوّة إرادته، ورسوخه على مبادئه وقوَّة صبره.
(1) - المصدر نفسه.