Nouveau Microsoft Word Document
الجزء ١ · صفحة ١٢٣وسلامة البشر، ولكنها تنذر بالهول والويل والخراب، وليس في مستطاع البشر - مهما بلغ من العقل وسموّ المدارك - أن يعالج المشاكل العالميّة الكبرى معالجة تامّة حكيمة بمثل ما وضع الله لها من النظام والتشريع، وكلّ دواء يستحضر في غير معمل الشريعة فهو دواء قتّال، إن لم يظهر ضرره اليوم فإنّه سيظهر غدا»(1).
لذلك تطوَّرت ثنائية القويّ والضعيف عند أبي اليقظان، من المجال الأفقي إلى المجال العمودي، إذ أنَّ القويّ يريد امتلاك السماء، والفقير يخدمه في الأرض، فإذا بالإشكاليّة تتحوّل إلى إشكالية الألوهيّة والعبوديّة.
إنَّ أبا اليقظان حين يحلّل مسألة الشرق والغرب، لا يحلّلها كما حلّلها بعض الإصلاحيّين المعاصرين له، بل تراه يغوص في عمق المأساة ويحلّل خوافيها وظواهرها بكلّ أبعادها، لأنّه صاحب الفكر الرسالي، لذا تراه يمسك الكرة الأرضيّة بين أنامله، ويقلّبها ذات اليمين وذات اليسار، لأنّه يؤمن بأنّ هذه الأمَّة التي يحاول أن ينهضها تعيش على هذه الكرة، ولا يمكن لها أن تعالج أمورها السياسية إلاَّ في هذا المجال: «الكرة الأرضيّة تدور بما فيها ومن فيها، تحت تأثير المدنيّة الحاضرة؛ غثّها وسمينها، فما لم يصل اليوم فسيصل غدا، وما لا يصل غدا فسيصل بعد الغد، هذا رغما عن كلّ أحد، بل حتّى عمّن لهم ضلع كبير في تكوين هذه المدنيّة»(2).
كلّ ذلك لأنَّ أبا اليقظان آمن بأنّ الغرب القويّ، أصبحت المدنيّة بيده، يفعل ما يشاء ومتى يشاء «كلّ ما في الأرض حقّ له وملك في يده، يعطي منه ما يشاء لمن يشاء، ويقبض منه ما يشاء عمّن يشاء»(3) وبذلك لا يمكن لأيّ كان أن ينجو من قبضة الغرب، ومن آثار حضارته، ولا يمكن له أن يسدّ منافذه أمام هذه الحضارة الغازية من الاّتجاهات الستّة يقول: «وأصبح البشر وكأنّه يمشي في ظلام حالك، لا يدري من أين وإلى أين؟»(4).
(1) - المصدر نفسه.
(2) - أبو اليقظان، " التليفون بوادي ميزاب "، وادي ميزاب، ع: 69 (10/ 02/1928).
(3) - أبو اليقظان،" القويّ والضعيف "، وادي ميزاب، ع: 109 (22/ 11/1928).
(4) - المصدر نفسه، ع: 69 (10/ 02/1928).