كتاب مهرجان الصحفي الشيخ أبي اليقظان جمعية التراث

Nouveau Microsoft Word Document

الجزء ١ · صفحة ١٤٣

يدفعه إيمان بقضيَّة أمَّته ووطنه، ويقين بمعيَّة الله، وثقة بصواب الوسيلة، وإصرار على مواصلة المسير، وأمل بنجاح المهمَّة وبلوغ المرام.

لماذا اختار أبو اليقظان ميدان الصحافة مجالا للجهاد المقدَّس، بالكلمة الطيّبة، والنصيحة لله ورسوله والمسلمين، ومقارعة للظّلم وجنوده المبطلين، ودفعًا للفساد وفضحًا للكائدين؟

لم يكن اختيار أبي اليقظان لمجال الصحافة قرارا ارتجاليًّا، ولا نزوة تبتغي شيئا من مطامع الحياة وإشباعا لغريزة الظهور والزعامة.

بل كان ذلك نتيجة فكر مستبصر، ورؤية نافذة، تستكشف البواطن، وتسبر العلل والأسباب، وترى في الصحافة الوسيلة الأنجع، والكلمة الأسمع، والعصا الأقرع، والمنبر الأوسع، للوصول إلى كلِّ إنسان، من وليٍّ وعدوٍّ، وقريب وبعيد. وإبلاغ المطالب لكلِّ مسؤول، مهما علا به المقدار، وتحصَّن بالحجب والأسوار.

ومن نافلة القول التذكير بمولده، وأنَّه كان بالقرارة، (ميزاب)، يوم 29 صفر 1306هـ الموافق ليوم 5 نوفمبر 1888م. وبها وافاه أجله المحتوم يوم الجمعة 30 مارس 1973 الموافق ليوم 25 صفر 1393هـ على الساعة العاشرة ليلا، وبلغ من العمر سبعًا وثمانين سنة قمريَّة، إلاَّ أربعة أيَّام.

نشأ يتيم الأب، فقده قبل أن يتمَّ رضاعه (1307هـ)، فكفلته أمُّه المسلمة البارَّة، وإن في عيشٍ ضيِّق، وشاء الله ربُّنا أن يثمر غرسها، ويبارك في هذا اليتيم الفقير، فيجعل منه علما من أعلام الإصلاح في زمانه.

أمَّا صورة الرجل في معترك الصحافة وأتونها، فندعها للشيخ عبد الرحمن بكلِّي(1) يتولَّى بيانها، وليس كالأقران الأصفياء مرآة صادقة في تصوير أنفس العظماء.

(1) - الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلِّي، الشهير بالبكري؛ عالم جليل من علماء الجزائر، ولد بالعطف يوم الخميس 20 جمادى الثانية 1319هـ الموافق لـ 3 أكتوبر1901م. بدأ التعليم على مشايخ بلدته، ثمَّ انتقل إلى تونس في أواخر سنة 1922م، والتحق بالبعثة العلميَّة الميزابيّة، التي كان يشرف عليها الشيخ أبو اليقظان إبراهيم، ودرس في تونس على مشايخ جامع الزيتونة والمدرسة الخلدونيّة ما بين 1926م و1929م.

كان وثيق الاتّصال بطلائع الحزب الحرّ الدستوري: الشيخ عبد العزيز الثعالبي، والشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش، والشيخ توفيق المدني ..

في سنة 1931م شارك الشيخ في الجلسة التأسيسية لجمعية العلماء المسلمين الجزائريّين، وعيِّن عضواً في لجنة صياغة قانونها الأساسي.

دخل ميدان التجارة لعدَّة سنوات، وكان ساعدا لأبيه فيها، وظلّ موصولا بالحركة الفكريّة والأدبيّة، كما كان نعم المعين للشيخ أبي اليقظان في نضاله الصحفي، وكان أيضا عضوا بارزا في جماعة الإباضيّة بالجزائر، ومتّصلا بحركة الإصلاح بالعطف. عيِّن عضوا في حلقة العزَّابة بالعطف سنة 1934. وفي سنة 1939م ترك ميدان التجارة نهائيًّا، وانتقل إلى بريّان بدعوة من أعيانها ليتفرَّغ للتّعليم، فأدار مدرستها، وعُيِّن واعظا ومرشدا في مسجدها، فعضوا في حلقة عزَّابة بريان، ثمَّ رئيسا للحلقة. وفي 1945م شارك في تأسيس جمعية النهضة بالعطف، وعيِّن رئيسا شرفيًّا لها. وفي تأسيس جمعية الفتح ببريان سنة 1946.

سجن في السجن العسكري بالأغواط سنة 1957 لمشاركته في الثرة الجزائريّة.

وفي سنة 1966م عيِّن عضوا بالمجلس الإسلامي الأعلى عند تأسيسه، وعضوا في لجنة الإفتاء فيه.

تولَّى رئاسة مجلس عمِّي سعيد بعد عجز الشيخ بيوض إبراهيم عن حضور جلساته، ومَرضِ نائبه الشيخ يوسف بن بكير حمو وَعلي.

أنشأ في أواخر السبعينيات - ندوة أسبوعيّة يوم الأَربعاء، في منزله، يحضرها نخبة من الأساتذة والمرشدين، استمرَّت إلى آخر يوم في حياته، ولا تزال تعقد إلى اليوم بمسجد بريان، وتعرف بـ: ندوة الأربعاء، أو ندوة الشيخ عبد الرحمن.

من أعماله المطبوعة:

- تحقيق «كتاب النيل» للشيخ ضياء الدين عبد العزيز الثميني

- تحقيق كتاب «قواعد الإسلام» للشيخ إسماعيل الجيطالي.

- «فتاوى البكري» في جزأين.

- «وصيّة البكري».

- له آثار مخطوطة عديدة في الفقه والتاريخ والأدب والاجتماع.

وفاته:

انتقل إلى رحمة الله مساء الإثنين 3 جمادى الأولى 1406هـ /13 جانفي 1986م. وشيِّعت جنازته يوم الأربعاء 5 جمادى الأولى 1406هـ/15 جانفي 1986م.

ينظر ترجمته مفصَّلة في:

جمعية التراث، معجم أعلام الإباضية، ترجمة رقم:548. طبع دار الغرب الإسلامي، بيروت.

مصطفى باجو، الشيخ عبد الرحمن بكلّي، معالم جهاد وومضات فكر. طبع مطبعة تقنية الألوان، الجزائر.

١٤٣ / ٢٩٠