Nouveau Microsoft Word Document
الجزء ١ · صفحة ١٤٥والإصلاح، رسم ملامحها وألوانها وشكّل ظلالها الشيخ عبد الرحمن، ثمَّ نتبعها برسالة بعث بها إلى رفيقه وصديقه أبي اليقظان، يستحثّه لمواصلة المسير، بعد انقطاع عن الصحافة، أربى على عشر سنين. علّه يعاود الكرّة، وينازل الأعداء، بعد أن نجم قرنهم واستأسدوا حين آوت الأسود إلى عرينها.
كلا اللوحتين صادقة رائعة، دبّجهما الشيخ عبد الرحمن بأسلوبه الطليّ، وأدبه النديّ، وهما منجم غنيّ ومادة ثمينة للدّارسين والباحثين.
يذكر الشيخ عبد الرحمن بواكير صلته بأبي اليقظان قائلا: «وأنا كمعاشر ملاصق له سنين عديدة يضمّنا منزل واحد في تونس أيّام البعثة العلميّة الميزابيّة، وفي الجزائر أثناء خوض معركة الصحافة، وتأسيس المطبعة العربية في دوره العصيب، بل وحتّى بعد أن انصرف عن الصحافة إلى التأليف، كنت بجانبه ولم أفارقه، مساعدا له ومناصرا، أبادله الرأي وأشاطره المعونة»(1).
يصف خصائصه النفسيّة والخلقيّة والإيمانيّة، وصفا يحمل في مطاويه الإعجاب والتقدير مع التحليل والتفسير. يقول الشيخ عبد الرحمن: «عاشرته مدَّة طويلة، وتمرَّست به في شتّى حالاته، وخبرت نفسه بما يفضي إليّ به من حين لآخر، فكان الرفيق في عشرته، النزيه في معاملته، ضحوك السنّ، بارع النكتة، مرحًا إلاَّ إذا حزبه أمر يسيء، فيتحمّله صابرا راضيا بقضاء الله تعالى وحكمه محتسبا، متواضعا، كثير الاحتمال لأصدقائه، منصفا إذا أخطأ، يقبل الحق ولا يكابر، سليم الصدر لا يضغن ولا يحقد ولا يغضب، إلاَّ إذا انتهكت حرمة من حرمات الله.
وبالجملة فقد كانت أخلاقه أخلاق السلف الصالح، وعشرته عشرة المسلم الذي سلم الناس من لسانه ويده، والمؤمن الذي أمّنه الناس على دمائهم وأموالهم.
(1) - الشيخ عبد الرحمن بكلّي، محاضرات البكري في العلم والعلماء رتَّبها وأعدَّها للطبع، مصطفى باجو.