كتاب مهرجان الصحفي الشيخ أبي اليقظان جمعية التراث

Nouveau Microsoft Word Document

الجزء ١ · صفحة ١٥٥

وإذ تبيَّن له أنَّ الاستمرار في ميدان الصحافة لا يفيد الأمَّة كثيرا فقد أصاب إدارة الاستعمار نقرس منها، وكلَب من الظروف العصيبة التي تنذر بنشوب حرب عالميّة، فالاستمرار والحالة هذه إلقاء بالأمَّة إلى التهلكة، إثمه أكبر من نفعه، فانكبَّ ( P) على التأليف، فأبقى لنا ثروة نفيسة أمدّ بها المكتبة الإسلامية، أبقى عشرات المؤلّفات من كتب ورسائل نثرية وشعرية، أفرغها أحاسيسه وأفكاره، نصحًا للأمّة وإرشادًا لها إلى تدبير سلوكها معاشًا ومعادًا، ودعا فيها إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، لا سيما بعد أن أقعده الشلل الذي أصاب شقّه الأيسر، سنة 1957، وأشعره بدنوّ الأجل، فقد أرسل صرخات من أعماقه وعظات بالغات، ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

لم تفتر له همَّة، ولا انقطع عن العمل رغم ملازمته الفراش، ومعاناة المرض الذي يسري في مفاصله ويشتفّ معين حياته شيئا فشيئا، مثال المؤمن الصميم الذي يرجو من الله حسن الخاتمة.

وهكذا ظلّ ملتزما متقرّبا إلى الله، حتى وافاه أجله المحتوم بالقرارة يوم الجمعة 30 مارس 1973م الموافق ليوم 25 صفر 1393ه على الساعة العاشرة ليلا، وكان عمره سبعا وثمانين سنة قمريّة، إلاَّ أربعة أيّام. ولكلّ بداية نهاية.

رسالة إلى الشيخ أبي اليقظان: الصّحافة ودورها في يقظة الأمَّة

لقد كان البكري صحفيًّا لامعا، اقتحم ميدان الصحافة اقتناعا بخطورة الموقف، وقدسيّة الرسالة، وأمانة الكلمة، وكان ساعدا قويّا لأبي اليقظان في جهاده الصحافي.

آزر أبا اليقظان وشدَّ عضده بمقالات غزيرة، تعدُّ من عيون الأدب العربي الحديث بالجزائر. سموًّا في الفكر، وبعدا في النظر، ودقّة في الوصف، وعمقا في التحليل، في أسلوب أدبيّ طليّ، زاوج بين حجّة العقل وصدق العاطفة، وكأنّه قبس من التنزيل.

ولما مُنيت صحف أبي اليقظان بالإعدام تباعا، من قبل الحكم العسكري الاستعماري، كان آخرها سنة 1938م؛ وبعد مضيِّ فترة من الزمن، بعث الشيخ

١٥٥ / ٢٩٠