Nouveau Microsoft Word Document
الجزء ١ · صفحة ٢٥٥F
أيام في " قرارة " وادي ميزاب الأثيل
لمباركية نوَّار - (باتنة)
تُحرِّك رغبة السفر إلى القرارة عروس مدن وادي ميزاب، ومنذ وهلتها الأولى، لواعج الشوق إليها من مراقدها. وكم يتمنَّى قاصدُها لو تقصر المسافة وتختزل الخطوات، فالقرارة تستهوي زائرها، وتأخذ بأطراف شغاف قلبه، حتَّى وإن كان من المكثرين في التردُّد عليها. ورغم تتالي السنين والقرون، وتدافع الأجيال، فما تزال ”دعجاء العيون“ تحمل في سحنات وجهها ندى التاريخ، وينبعث من أرجائها عبير الأصالة المحصَّنة بخيوط الوفاء الحريرية الرفيعة، تشدُّها إلى الماضي السحيق. والقرارة وإن لم تتدثَّر بلفوف الزينة المذهبية، فهي دوما رمز للسرِّ النفاذ والسحر الأخَّاذ. وكلَّما استأنست بك، وشرعت أمامك بابا من أبوابها على مصراعيه، أغراك صنيعُها بمزيد التساؤل والإلحاح في الطلب والاستزادة، وفي جنباتها يرفض مرور الكرام الرشيق. وإن جمعت أوجه الشبه (القرارة) مع أية مدينة من مدن وادي ميزاب العامر، فإنَّها زادت عنها في كلِّ مضمار درجة أو درجات، وقد غالبت شقيقاتها الأنيقات في العلم والتربية؛ حتَّى غدت حاضرتها التي تُنشَد، وقلعتَها التي تُقصد. وعلى أميال الطريق التي تقودك إلى القرارة يرافقك هدوء الصحراء المترعة بمناظر خلاَّبة، تسرق النظر وتسرُّه وتفتنه، ولكم تستمتع العين برمالها المنبسطة التي ترسم لوحات تعجز أمامها أنامل أحذق الرسامين. وقد تكون محظوظا، فترى الرياح تداعبه، فتنهض حبيباتها تتسابق كمن يلهو، ثمَّ تتصادم وتتساقط متزاحمة، ولا تلبث أن يسمق بنيانها مشكِّلا كثابين، لا ترسو على صورة. وتدفعها الجرأة لقطع الطريق أمامك أحيانا، دون أن تتزعزع رأفة بك من مشاق السفر التي تكبدتها. وعلى مسافات