Nouveau Microsoft Word Document
الجزء ١ · صفحة ٢٥٦متقطِّعة، تظهر أشجار النخيل الفارعة رافعة هاماتها الطولى بتيجانها الخضر، غير آبهة بما يجري تحت جذوعها المتورِّمة.
عندما وطئتُ أرض القرارة الحالمة، وجدتُها ما تزال غارقة في قيلولتها الربيعية التي ألفتها، والحركة في دروبها وشوارعها شبه منقطعة، لولا بعض السابلة الذين يطوفون شارعها الطويل ذهابا وجيئة، سعيا وراء قضاء حاجة ملزمة ترفض التأجيل. وتسلَّلتُ في إحدى أزقَّتها الضيِّقة والصاعدة، التي ألقت بي في ساحة السوق القديمة، التي تتوسَّط القصر العتيق، بعد أن نشَّطت شهيقي وزفيري ونبض قلبي. وجاد عليَّ التمعُّن باكتشاف مزايا أخرى لم ينفتح ذهني أمامها من قبل. ومن هناك قصدت منزل الأخ الكريم أحمد بن قاسم الراعي، الذي ينتمي إلى عائلة ذات الشأن الرفيع في العلم والجهاد والوجاهة. فالجدُّ عمر بن عيسى بن قاسم باحماني الراعي تولَّى زعامة عشيرة «آل مليكة» ردحًا من الزمن. وأمَّا الأب قاسم بن عمر بن عيسى، فهو صاحب ذكر حميد في التربية والإصلاح والجهاد والأعمال الخيرية، وهو قراري المولد والمنبت والنشأة، إذ أبصر النور في القرارة سنة 1925م، وزاول دراسته الابتدائية «بمدرسة الحياة»، التي ما تزال تواصل رسالتها التربوية بتصميم وعزم. وبعد استظهار القرآن الكريم في يوم 12 محرَّم 1362هـ/ 19 جانفي 1943م، رشِّح للانضمام إلى «معهد الحياة»، أين واصل تعليمه على أيدي شيوخ أجلاَّء، ومنهم: الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض ( P)، والشيخ عدُّون، والشيخ بيُّوض بكير بن عمر. وما إن غادره متخرّجًا منه سنة 1948م، حتَّى انتسب إلى هيئة التعليم بمدرسة الحياة الابتدائية، وأصبح عضوا نشطا في حلقتها، يتصدَّى لتعليم الصغار وتلقينهم علوما مختلفة. وتقديرًا لإخلاصه ومثابرته، أوكلت له سنة 1959م مهمَّة الإشراف على هذه المدرسة، وإدارة شؤونها، وظلَّ محتفظا بهذا المنصب حتَّى وافته المنية وهو في قمَّة العطاء.
ومع اندلاع الثورة التحريرية، ووصول لهيبها إلى الجنوب الجزائري، شارك مؤدِّبَه الشيخ إبراهيم بيُّوض في الترويج لها، وتجنيد المتطوِّعين للجهاد في