كتاب مهرجان الصحفي الشيخ أبي اليقظان جمعية التراث

Nouveau Microsoft Word Document

الجزء ١ · صفحة ٢٧١

وفي آخر أيَّام عمره المتخم بالعطاء والبذل، داهمه مرضٌ مفاجئ من أعراضه ضيق واختناق في التنفُّس وحشرجة في الصدر، وتوهَّمت العائلة أنَّه زكام موسمي عابر، وأعدَّ له علاج تقليدي بوصفة من وصفات الطبِّ الشعبي، أدمج فيها شهد وعصير ليمون. وذات يوم يقول قاسم بكُّوش: «جاءني مسرعًا من يستعجلني العودة إلى المنزل، ورحتُ ألاحق الخطى، فألفيتُه شبه مغمى عليه، ووالدتي قابعة إلى جانبه، وتمكَّنت وإيَّاها من تلقينه الشهادة الخالدة في اللَّحظة التي يتمنَّاها كلُّ مؤمن صادق، وقبل أن يغمض عينيه إلى الأبد».

ودفن في عتمة الليلة الأولى، والمطر يتهاطل كثيرًا وباردًا، وتناوب على تأبينه عدَّة شيوخ، وما زالت عبارة قالها أحد المؤبِّنين ترنُّ في أذني حتَّى هذه اللّحظة، ومضمونها: « … حتَّى السماء أدمعت عيونُها وهاجت، وشاركتنا البكاء على فقيدنا الغالي، المرحوم الشيخ أبي اليقظان … ».

وذات ليلة أقامت عائلة آل باحماني الراعي حفلا تكريميًّا لابنها محمد بن عيسى، الذي وفَّقه الله لحفظ كتاب الله، واستظهاره أمام شيخ من شيوخ المسجد. ومثل هذه المناسبات يعتزُّ بها أهل القرارة أيَّما اعتزاز؛ فأمنية كلِّ قراري أن يستظهر ابنه أو أبناؤه القرآن الكريم، حتَّى وإن تقدَّم بهم العمر قليلا. ولهذه الأمنية العزيزة مغزاها، إذ لا شيء حافظ لأصالة المجتمع الإباضي على امتداد قرون، سوى القرآن الكريم الذي تعلَّقوا به حفظا وفهما وتطبيقا. واستمرَّ الحفل الذي أحيته فرقة ”المعصومة“ حتَّى منتصف الليل، وقُدِّمت فيه أناشيد حسنة الكلمات وبُلبلية الألحان، بعضها باللّهجة المحلية، وتخلّلتها محطَّات للتّذكير وجني العبر، وأخرى للتّنكيت الظريف والهادف، ومُثّلت فيها مسرحية، عالجت عواقب أمراض الطمع والجشع والسطو على ممتلكات الغير من دون حقٍّ، وأبرزت النتائج الوخيمة التي تنجرُّ عنها. وسُقي المدعوُّون الذين كانوا من مختلف الأعمار شايا متبَّلا، ووزِّعت عليهم أكياس الحلوى والفول السوداني.

٢٦٩ / ٢٩٠