Nouveau Microsoft Word Document
الجزء ١ · صفحة ٢٧٠المذياع إلقاء الاستعمار الفرنسي أثناء الثورة القبضَ على الزعماء الخمسة؛ إثر اختطاف وتحويل الطائرة التي كانوا على متنها بعد مكيدة مخطَّطة. فقد انغلق على نفسه سويعات، ولما زاره الشيخ إبراهيم بيُّوض صباحًا، سارعه بالقول: «لقد أرسلتُ البارحة قنابل حارقة على فرنسا الطاغيَّة»؛ وهو يقصد الدعاء عليها بأقسى الأدعية وأعنفها؛ جزاء شنيع عملها بعد قرصنتها الجوية.
ومثلما أعفاني مؤدِّبي أبو اليقظان من مسؤولية تربية أهلي، الذين وجدوا فيه قدوة حقيقية بالتأسِّي والاتِّباع في السلوك والمعاملة والمعاشرة، فإنَّه كان ( P) يحوِّل اجتماعات الأسرة إلى حلقات علم. وكان يصطفي لكلِّ مناسبة ما يوافقها من دروس التاريخ الإسلامي مستهدفا الاتِّعاظ والاعتبار.
وقد تركت جناية ترويعه في ابنه عيسى من طرف الجيش الفرنسي سنة: 1957م جرحًا عميقا في نفسه. وبسبب ذلك أصيب بداء الفالج، أي الشلل النصفي. ورغم هذا المرض المقعد، إلاَّ أنَّه ظلَّ صابرًا محتسبا لقضاء الله وقدره، وكان يردِّد على الدوام بلسان حامد شكور: «أحمد الله الذي أخذ منِّي القليل، وتركني أتمتَّع بالكثير».
ومن صفاته ( P) أنَّه يضع التواصل الأخوي في رُتب السلوكات الحضارية الراقية، ويفرح كلَّمَا رمى له البريد رسالة إخوانية، وكان لا يكلُّ من استقبال رسائل الأصدقاء والخلاَّن والردِّ عليها دون تماطل أو إبطاء. وكان قليلا ما ينجو من عتابه وعذله كلّ من أمسك رسالة وفدت إليه، وتأخَّر في تسليمها له. وهو من الذين لا ترضيهم الاعتذارات في مثل هذه المواقف مهما كانت قوَّتها. وحجَّته التي يتدرَّع بها في تشدُّده إزاء المتباطئين في تبليغ أمانة الرسائل إلى أهلها في حينها، أنَّه لا داعي لقبضها وحجزها لتصل متأخَّرة إلى صاحبها؛ فلربَّما يكون في جوف غمدها ما يستدعي التعجيل.
وكان الشيخ أبو اليقظان واحدا من المقرَّبين الأصفياء من الشيخ إبراهيم بيُّوض - رحمهما الله - وكان هذا الأخير لا يتردّد في استشارته في كلّ صغيرة أو كبيرة لتيقّنه من سداد رأيه، ورشاد حكمته، وحسن قراءته لعواقب الأمور.