كتاب مهرجان الصحفي الشيخ أبي اليقظان جمعية التراث

Nouveau Microsoft Word Document

الجزء ١ · صفحة ٦٤

ثمَّ يضيف: « … وإنَّما يمكنه أن يبلغ ذلك بالرجال الصابرين الثابتين، أصحاب المبادئ القارة والكلمة الواحدة، فإن انتشر دين فبهؤلاء، وإن انبثَّ مذهب فبهؤلاء، وإن اعتزَّت أمَّة فبهؤلاء، وإن حرّر شعب فبهؤلاء. فمن أراد تكوين أمَّة أو إحياء شعب فليبدأ بإعداد العدَّة، وهي هؤلاء. أمَّا إذا غفل عن هذا، وأسَّس عمله على كواهل أولئك الضعفاء، فقد بناه على أساس من الرماد، أو كتلة من الزبد، فبمجرَّد ما تهبُّ عاصفة، أو ترسل الشمس أشعَّتها المحرقة تتناثر ذرَّات الرماد في الفضاء، وتذوب كتلة الزبد في الأرض، فينهار بنيانه، ويصير عاليه سالفه.

فمن كان يؤلمه أن يحشر بين هؤلاء الوهنين الضعفاء، وتؤلمه لذعة الامتهان والازدراء، فما عليه إلاَّ أن يتجلَّد ويصبر قليلا على لذغات الأهوال والخطوب كغيره، ويتزيَّا بزيِّ الصابرين الثابتين، فلا يلبث قليلا حتَّى يطرِّز صدره بنيشان الجلد والثَّبات، ويصبح في الصفوف الأماميَّة من الرجال الكاملين».

إنَّ هذا عين ما قاله أبو مسلم البهلاني الرواحي:

صكَّ الخطوب بخطبٍ اسمه جلَدٌ … والقَ الأمور بحلمٍ شخصُه جبلُ

تتردَّد كثيرًا - في كتابات الشيخ أبي اليقظان - كلمات (الصبر، الثبات، الجلد، المبادئ، التماسك، الصلابة، البناء، الأساس … ) إنَّ ذلك لا يدلُّ إلاَّ على حقيقة واحدة، هي أنَّ الشيخ يركِّز على ما يؤَّسس البنيان، وينشئ الصرح، ويبعث النهضة، ويدعو إلى اتِّخاذ الأسباب الصحيحة والسليمة في هذا التشييد والنهوض؛ لأنَّه هو نفسه وزملاءه في الإصلاح عانوا من هذه النفوس الرخوة، وهذه القلوب الواجفة الراجفة المتذبذبة، التي لا تنهض بعبء، ولا تحمل كلاًّ، ولا تقوم بواجب. لذا يلحُّ على الناس أن يعرفوا القواعد الضرورية للعمل المؤسَّس المدروس.

ما أكثر ما تضمَّنه فكر الشيخ أبي اليقظان من نظرات ثاقبة، وآراء سديدة، وومضات مضيئة، وقبسات منيرة … لمن يريد أن يأخذ العبرة والدروس، ويفيد ما يساعده على معرفة الطريق الأسلم في التوجيه والعمل الرسالِي، وبخاصَّة ما كان

٦٤ / ٢٩٠