Nouveau Microsoft Word Document
الجزء ١ · صفحة ٨عاش يسوق الأمَّة إلى الصلاح والإصلاح، وقال: « … ولكن لم تزل الأمَّة في شغل شاغل عن هذا كلِّه، الجاهلُ في جهله، والمنافقُ في نفاقه، والمفسِدُ في فساده، والفاسقُ في تهتُّكه، وانهماكه، بل لم نَرَ للجهل إلاَّ إمعانًا وتمكُّنًا، ولا للفساد إلاَّ شيوعًا وذيوعًا، ولا للإلحاد والزندقة إلاَّ تسرُّبًا وتغلغلاً، ولا للتهتُّك والانهماك إلاَّ فشُوًّا وانتشارًا. كأنَّ ما يبذله المصلحون مواد مفرقعة، تزيد الحريق التهابًا، والعمران خرابًا. ولا غرو في ذلك فإزاء تلك القوَّة الإصلاحيَّة الضئيلة حركةٌ أخرى لها، راسخة الأصول، متشعِّبة الفروع، تغذِّيها وتمدُّها قوَّة أخرى، وسواعد مختلفة، لا يمكن التغلُّب عليها إلاَّ بتوحيد الجهود، وجمع ما تشتَّت من القوى، وما تبدَّد من المواهب. ولن يتسنَّى هذا والمصلحون قليل، وهم أنفسُهم تنقصهم الكفاءة والمران.
إنَّ معالجة أدواء الأمَّة لا تكون إلاَّ باكتساح تلك الأصول المبيدة: الجهل، الفقر، الافتراق. وغرس بذور الحياة فيها: العلم، الثراء، الاتِّحاد. ولن يحصل شيء من هذا بالأماني والأحلام، أو بمجرَّد القول وفوار الفم، ولكنه يحصل بتوجيه العزائم، وتحريك الهمم وصدق الطلب، والإخلاص والصبر والثبات … »(1).
من أجل ذلك كانت حياتُه كلُّها دروسًا وعبرًا، يُمتَاح منها في معركة التحدِّي والتصدِّي، يُستنجَد بها في ردِّ التعدِّي، تُستَلْهَمُ في زمن الرداءة والردّة والتردّي، تُستنطق لتصحيح المسار، تُستثمر لتغيير ما يحدث في الدار. أنَّ الجهات التي تحارب الأصالة أصبحت كثيرة، من الداخل والخارج، والجبهات التي يجب التصدِّي لها أضحت عديدة، والوسائل التي بها يتمُّ العمل، ينبغي أن تكون ناجعة، يراعى فيها القوَّة والحكمة والتناغم، ونفاذ البصيرة، وحسن الاختيار، وفهم الخصم، وإدراك حجم المؤامرات، وتقدير طبيعة المعركة، ومعرفة حقيقة العمل المنتظر … كلُّ ذلك بمكن أن نفيده من طبيعة عمل الشيخ أبي اليقظان ( P) إذا أحسنَّا قراءة سيرته، وعرفنا كيف نفهمها، وحذقنا كيف نستلهمها.
(1) - أبو اليقظان، «شعور الأمَّة نائم، فماذا ينبِّهه؟»، وادي ميزاب، ع: 42 (19/ 07/ 1927م).