مجلة الموافقات: ملف أبي اليقظان مجلة الموافقات

مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ١٥٣

لقد ردّ أبو اليقظان بهذه الكلمات القليلة على عدة أطراف كانت تخوض في القضية الوطنية بغير علم ولا هدى، ردّ على الفرنسيين وأشياعهم الذين كانوا ينكرون حق الجزائريين في الحرية، وردّ على من حصر القضية الوطنية في الحرية، وردّ على من حصر القضية الوطنية في الحصول على بعض المطالب الاجتماعية كالمساواة بين الفرنسيين والجزائريين في الأجور والمنح العائلية، والضرائب، ومدة الخدمة العسكرية… ورد على من كان يطالب باستقلال خال من المضامين الحضارية التي تميز بين الشعوب والأمم من دين، ولغة، ونظم، وتاريخ، وقيم… ورد على الذين كانوا يحسنون الظن بفرنسا، ويرون بأنها ستخرج من الجزائر طوعا، فكانوا كمن يطلب الفصّ من اللص ويتمنى الحصول على الشمس.

قلت آنفا: إن الله آتى أبا اليقظان بسطة في العلم وقوة في العزم، فأما دليل سعة علمه وغزارة معارفه فهو هذا التراث العلمي الذي ورثه لنا في عدة مجالات من تفسير، وفقه، وتاريخ، واجتماع، وشعر، وهو إنتاج يزيد "على ستين مؤلّفا بين رسالة وكتاب عدا الصحف والمذكرات"، وأما دليل قوة عزمه فهو إنشاؤه ثمان جرائد، ما إن يردي الاستعمار الفرنسي واحدة حتى تخلفها أخرى أسدّ قولا، وأقوى حولا، وأعظم نبلا، كل ذلك في ظروف بالغة القسوة من مال يسير، وانعدام نصير، ومكر بالليل والنهار من الفرنسيين الذين لا يرقبون في الجزائري البسيط إلاّ ولا ذمة، فضلا عن شخصية كبيرة كأبي اليقظان يقتدى بها ويصغى إليها، ولذلك كان "ظهور مجلة أو جريدة وطنية في هذا الجوّ الشائك أشبه بالمعجزة"، وهذا ما أثار إعجاب الإمام محمد البشير الإبراهيمي بأخيه الشيخ أبي اليقظان فبعث إليه رسالة يشيد فيها بثباته والعواصف هوجاء، وثباته والطريق عوجاء.

١٥٣ / ١٧٧