مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ١٧٦وقد ازدادت شدة ذلك التكالب بعدما تبنَّى السلطان عبد الحميد الثاني فكرة "الجامعة الإسلامية"، وأطلق شعار: ((يا مسلمي العالم اتحدوا))، وهو ما يهدد -لو تحقق- أطماع الأوربيين، وبعدما وقف موقف الشرف والمروءة من أطماع اليهود في فلسطين، ورفضه الخضوع لمساوماتهم… ما كلَّفه الإطاحة به وخلعه، فهل يلام السلطان عبد الحميد الثاني إذا واجه هذا الحشد من الجواسيس والخونة بالإكثار من بث العيون ورصد الحركات؟ ولا يمكن أن يُنْكر ما حدث من تجاوزات أو مظالم قد لا يكون السلطان نفسه على علم بها.
والخلاصة أن الشيخ أبا اليقظان قدّم لنا سيرة رائعة لمجاهد أصيل لم يَطْعم الأذى، ولم يرد القذى، وسما إلى أعلى الذرى عندما لم يُرَاءِ بجهاده، ولم يستغل ذلك الجهاد لتحقيق منافع مادية، حيث رد ستة آلاف جنيه إلى الأمير المصري عمر طوسن قائلا: ((إن الإعانات للمجاهدين، والآن لا جهاد))، وصدق الإمام محمد البشير الإبراهيمي عندما قال: ((أصدق تواريخ الرجال ما يكتبه الدارسون المتقصون عنهم بعد موتهم)).
اقتراح: يؤكد الدارسون الحياديون والمؤرخون المنصفون أن جهاد الشعب الجزائري ضد فرنسا منذ 1830م إلى 1962م، كان محركه الأساسي هو الإسلام. فعلماء الجزائر هم الذين حافظوا على شعلته متأججة في قلوب الجزائريين، وهم الذين أحيوا حرف الضاد في لهواتهم، وهم الذين علموهم ما لم يكونوا يعلمون عن أمجادهم، وهم الذين رسخوا في عقولهم أن فرنسا عدو لهم فلْيُعِدُّوا ما استطاعوا من قوة للقضاء عليه، وليستعدوا إلى يوم الفصل معه. ومما يروى أن الإمام إبراهيم بيوض (1899-1981) قال لمن سأله عن دور العلماء في جهاد الشعب الجزائري: ((أي العملين أشق وأرهق، جمع الحطب أم إشعال النار في ذلك الحطب؟)).
فمن حق هؤلاء العلماء علينا، ومن واجبنا نحوهم أن نرفع ذكرهم ونُحْيِيَ ذكرياتهم، ونشيد بمنجزاتهم، ونبرز أعمالهم ليكونوا للشباب أسوة حسنة.