محاضرات مهرجان الشيخ بيوض - مادة خام
الجزء ١ · صفحة ١٠١ثلاثون عاما قضيتُها في كفاح مستمرٍّ في ميدان العلم والدين والسياسة والاجتماع، أصل فيها الليل بالنهار، وأبيت على الطوى أو على الخبز القِفار؛ وقد تفتَّحت ليَ الدنيا وتبدَّت ليَ في زينتها وفتنتها، ودُعِيتُ إليها من كلِّ جهة وبكلِّ لسان، وعندي لها استعداد تامٌّ كامل، فعزفت عنها وزهدت فيها وأعرضت عنها. وكأنِّي – والله – في ذلك غير مختار، بل أُدفَع إليه دفعا قويًّا بقوَّة خفيَّة جبَّارة لا أستطيع لها حدًّا. إلاَّ أنَّني أُحسُّ بأنِّي مُلِئت إيمانًا من مِفرقِي إلى قدميَّ، بأنِّي خُلِقت لإنقاذ أمَّتي، وأنَّني إذا خرجت إلى الدنيا والعمل لنفسي عاقبني الله عقابا شديدا، فاطمأنَّت نفسي إلى عملي، وكنت أجد في الكفاح مهما اشتدَّ وقسا غبطةً ولذَّةً وسرورًا. ولطف الله بي فأراني من كرامات الإخلاص ما لم أستطع له حدًّا ولا حصرًا، وما لا أزال أذكره فأشكوه، فيضاعف قوَّتي ويزيد إيماني. وكنت أرى النتائج أكبر من الأعمال بما لا يخطر على بال. وكنت أرى عقبات الطريق تندكُّ، وحفره تُسوَّى، فلا أقترب من عقبة كنت أندهش لها، حتَّى أجدها دكًّا، ولا أقترب من حفرة كاد القلب ينهلع لها حتَّى أجدها مسوَّاة، حتَّى ارتاضت نفسي فأصبحت لا أخاف شيئا أبدا إذا اعتزمت وأخلصت، وكنت أحدِّث إخواني وتلاميذي بالعجيب الغريب من هذه الألطاف الربَّانيَّة حتَّى أقوِّي فيهم روح الإخلاص والثقة بالله والتوكُّل عليه، وقد نجحت إلى حدٍّ بعيد والحمد لله. أَبعدَ هذا الذي بلوته من أثر الإخلاص في هذا الزمن الطويل، حتَّى أصبح طبيعة لي لا أستطيع التخلُّص منها، أنبذ الإخلاص وأطرحه؟ أبعد أن شاب فؤادي وأوفيت على الخمسين، قضيتها كلُّها في العمل للأمَّة وللمصلحة العامَّة، أصبح مستخفًّا بالأمَّة غير مُكترث بالمصلحة العامَّة؟ لا أظنُّك واجدا من إخوانك من ضحَّى بعمره كلِّه في سبيل أمَّته غيرك، ومثل الكاتب والشيخ أبي اليقظان.