محاضرات مهرجان الشيخ بيوض - مادة خام
الجزء ١ · صفحة ١٠٣سيِّدي الشيخ، ثلاثون عاما – إي وربِّي، ثلاثون عاما كاملة غير منقوصة – قضيتُها في مكافحة الاستعمار الغاشم في عقر داره، وأنا بين مخالبه وأنيابه، أقاوم جبروت أفظع حكم عرفه تاريخ الإنسان، وأنا تحت سلطانه وبين ماضغيه. ما رميته بسهم من بلد قصيٍّ، ولا قاتلته في قرية محصَّنة، أو من وراء جدار. أقمت بين ظهراني أمَّتي أبعث فيها الحياة وأشيع النور، وأدفع بها دفعا نحو المُثُلِ العليا، وأذود عنها الأعداء، وأدفع عنها العوادي، وأصنع الحجب، وأحوك الأستار، لأخفي حركتها عن الأنظار، حتَّى إذا نَمَّت عين أو وشى لسان لجأت إلى التأويل وانتحلت الأعذار، وأرخيتُ الشعرة وداورتُ العاصفة وداريتُها، ثمَّ أمضي قُدُمًا في سبيلي لا أعرف توقُّفا ولا سكونا، كذلك كنت أصنع طوال هذه المدَّة، حتَّى رأيتَ من الأثر ما رأيتَ - وما أقلَّه - وشهدتَ له وباركتَه(1) .
(1) ـ كان الشيخ أبو إسحاق رحمه الله قد عاد بعد الحرب العالميَّة الأولى من منفاه بالقاهرة إلى الجزائر، ولمَّا زار القرارة في ربيع 1946 استقبله الشيخ بيُّوض ومشايخ القرارة وأعيانها استقبالا رائعا بساحة " النوادر "، والكشَّافة الإسلاميَّة الجزائريَّة، من أبناء مدرسة الحياة ومعهدها ترفع أعلامها وتترنَّم بأناشيدها الوطنيَّة الحماسيَّة. ثمَّ أقيمت الحفلات احتفاء بالشيخ الجليل وتكريما له ؛ فألقيت الدروس، وعقدت الجلسات الخاصَّة والعامَّة، فاطَّلع الشيخ الزائر عن كثب على الحركة العلميَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة في القرارة، فأعجب بتلك الحركة الإصلاحيَّة النشيطة، وباركها ودعا للقائمين عليها بالتوفيق والسداد.