محاضرات مهرجان الشيخ بيوض - مادة خام
الجزء ١ · صفحة ١٠٤ثلاثون عاما مضت منذ بدأت اتِّصالاتنا بالحكَّام، لا أُفتن في كلِّ عام مرَّة أو مرَّتين، بل المرار العديدة. فما وُلِّيَ حاكم في الإدارة العليا لهذه المناطق ولا في إدارة غرداية خاصة، طوال هذه المدَّة إلاَّ وكانت لي معه مقابلات فيها مناقشات ومجادلات وتهديدات واتِّهام ودفاع، يُحَلُّ بعضها هنا في مكاتبهم، ويُرفَع البعض إلى المراجع العليا في الجزائر، وأحيانا إلى باريس؛ فاضطرُّ على الدفاع هناك. وما منهم إلاَّ من قدَّم تقارير سوداء ضدِّي، تكدَّست رزما فوق رزم في مكاتب الولاية، وما زِلتُ وما زالوا حتَّى كتابة هذه الأسطر. ووالله الذي لا ربَّ غيره ما نالوا منِّي شيئا بفضل الله ولطفه، ولقد نلت منهم لأمَّتي الشيء الكثير. وإنَّهم ليرونني أخطر شخص على نفوذ فرنسا في هذه الديار، وينعتونني بالمهيِّج الخطر. وكتبت بعض جرائدهم مرَّة بأحرف بارزة في صفحتها الأولى (لينين بوادي ميزاب)، ومرَّة أخرى عند تبدُّل السياسة (هتلر بوادي ميزاب)، وهكذا ممَّا لا يُحصى، وغُرِّمت مرارا وهُدِّدت بالنفي، وعُزِل قائد مصلح، وسبب عزله في تقرير رسميٍّ قُدِّم إلى مجلس الدولة عند رفع القضيَّة إليه أنَّه صديق مناصر للمهيِّج الخطير، عدوِّ فرنسا المسمَّى بيُّوض. وكان ممَّا لو ذهبت أعدِّده لكتبت سفرا كبيرا ولقرأتَ فيه قصَّة طريفة عجيبة. ولو شِئتُ لما ذهبتُ بك بعيدا ولقصصت أطرف قصَّة في كفاح للاستعمار الماكر الخادع الذي ظاهره رحمة وإنسانيَّة وباطنه عذاب ووحشيَّة.