محاضرات مهرجان الشيخ بيوض - مادة خام
الجزء ١ · صفحة ٣٢لا تخلو رسالة أو مقالة أو خطبة من وقفة روحانية ربانية تدل على ما يحمله الشيخ الإمام بين جنبيه من إيمان عميق بالله، وتوكل عليه في حالات الشدة والرخاء، وفي مجالات الحياة كلها سياسية، واجتماعية، وتربوية، فهوفي كل ما مر به من محن وشدائد ظل واقفا بقامته المهيبة أمام العواصف والنكبات، لم تطرف له عين، ولا اختلج له قلب، بل كان كالطود الشامخ الذي يأوي إليه زملاؤه وأصدقاؤه وأبناؤه وعشيرته، والنخلة الباسقة المتجذرة الذاهبة في السماء، ومرد ذلك كله إلى هذه التربية الروحية السامية التي أصّلها فيه محكم التنزيل، وأنبتته عليها المحن والشدائد طوال عمره الطويل.
يقول في رسالة توجه بها إلى الشيخ أبي اليقظان مؤرخة يوم 30 ديسمبر 1930م وقد حرم من رخصة السفر التي انتظرها طويلا:
… تراكمت الأعمال والأشغال عليّ بصورة شديدة، وكلما قلت خفت أو نقصت ازدادت شدة وكثرة والله المعين.
… عدت من اجتماع بالعشيرة من أجل مسألة التعويض التي تعقدت هذا العام بسبب قلة الشبان فما كانوا يزيدون في السنوات الماضية عن الثلاثين وقد يتجاوزون الأربعين إلى الخمسين. أما هذه السنة فخمسة وعشرون كلهم فقراء معوزون ومن هؤلاء ابننا… وقد فرضوا عليه 800 فرنكا كاملة تدفع قبل عاشر جانفي … فما أستطيع أن أدفعها من عندي وقد آذتني وأنقضت ظهري أثقال ما عليّ مما لا أستطيع إفشاءه ولا وصفه ولا أشكو منه إلا لله الذي هو وحده فاتح الأبواب، وفارج الكرب، وكاشف البلوى.. ماذا عساي أن أفعل وأنا المقيد المغلول الذي لا يملك من أمره شيئا إلا أن يحفه من الله لطف فيخلصه. ينعم الناس اليوم بحريتهم وأرسف في أغلال عبوديتي للواجب وللأمة وللحكومة وللأنصار وللخصوم والقريب والغريب، ودمتم لأخيكم المقيد المغلول ولكن ببلده وذلك أخف لبلواه، والحمد لله(1)
(1) رسالة مؤرخة ب: 18 ذوالقعدة 1358/30ديسمبر 1939