محاضرات مهرجان الشيخ بيوض - مادة خام
الجزء ١ · صفحة ٣٥ولعل من أشد المشاهد التاريخية دلالة على هذه الروح القوية التي يتمتع بها ذلك الموقف الذي واجه به الشيخ أبا إسحاق اطفيش بعد أن انتقد موقفه السياسي من الانتخابات البرلمانية سنة 1948م، ولم أقرأ للشيخ بيوض، في هذا الصدد، كلمات أشد وأقوى منها لا في مضمونها وحسب بل وفي أسلوبها الراقي الممتاز:
… سيدي الشيخ، اسمح لي أن أقول لك في هذا المقام كلمات ما جرت على لساني قط، ولا خطها قلمي قبل، أستجيزها لنفسي اليوم لما لي عليك من الدالة، ولما أعرفه فيك من صفاء النية وسلامة الطوية. ثلاثون عاما قضيتها في كفاح مستمر في ميدان العلم والدين والسياسة والاجتماع، أصل فيه الليل بالنهار، وأبيت على الطوى أو على الخبز القفار، وقد تفتحت لي الدنيا، وتبدت لي في زينتها وفتنتها، ودعيت إليها من كل جهة وبكل لسان، وعندي لها استعداد تام كامل، فعزفت عنها وزهدت فيها وأعرضت عنها، وكأني والله في ذلك غير مختار بل أدفع إليه دفعا قويا بقوة خفية جبارة لا أستطيع لها صدا إلا أنني أحس بأني ملئت إيمانا من مفرقي إلى قدمي بأنني خلقت لإنقاذ أمتي، وأنني إذا خرجت إلى الدنيا والعمل لنفسي عاقبني الله عقابا شديدا، فاطمأنت نفسي إلى عملي، وكنت أجد في الكفاح مهما اشتد وقسا غبطة ولذة وسرورا، ولطف الله بي فأراني كرامات الإخلاص ما لن أستطيع له حدا ولا حصرا، وما لا أزال أذكره فأشكره فيضاعف قوتي ويزيد إيماني…
...كنت أرى النتائج أكبر من الأعمال بما لا يخطر على بال، وكنت أرى عقبات الطريق تندك وحفره تسوى فلا أقترب من عقبة كدت أندهش لها حتى أجدها دكاء ولا أقترب من حفرة كاد القلب ينخلع لها حتى أجدها مسواة، حتى ارتاضت نفسي، فأصبحت لا أخاف شيئا أبدا إذا اعتزمت وأخلصت، وكنت أحدث إخواني وتلاميذي بالعجيب الغريب من هذه الألطاف الربانية حتى أقوي فيهم روح الإخلاص والثقة بالله والتوكل عليه، وقد نجحت إلى مدى بعيد والحمد لله…(1)
: