محاضرات مهرجان الشيخ بيوض - مادة خام
الجزء ١ · صفحة ٦لم ينقطع التواصل الثقافي بين أجيال المغاربة عرباً وبربراً، ممّن يقطنون شمال إفريقية منذ الفتح الإسلامي الأول وحتى عصرنا الحديث، وإن كان قد انحصر مدّه إلى حدوده الدنيا إبّان الاحتلال الفرنسي للمنطقة، في أطول فتراته بين عامي 1830 و 1962 للميلاد.
كانت الذكرى المئوية الأولى، والأخيرة طبعاً، في عمر ذاك الاحتلال، عام 1930، مناسبة ملائمة ليقيم المستوطنون احتفالاً بطراً، أعلن فيه الكاردينال "لافيجري" صراحة: «إنّ عهد الهلال في الجزائر قد غبر، وإن عهد الصليب قد بدأ، وإنه سيستمر إلى الأبد… وإن علينا أن نجعل أرض الجزائر مهداً لدولة مسيحية، مضاءة أرجاؤها بنور مدنية وحيها من الإنجيل».(1)
وكان لهذا الاحتفال الاستفزازي تداعيات على نفوس الجزائريين موالين ومعارضين، وجد فيها الإمام عبد الحميد بن باديس ظرفاً مناسباً لإعلان مشروعه النهضوي، الذي خطط له بعناية وحكمة مع رفيق دربه الإمام محمد البشير الإبراهيمي منذ أن التقيا في مدينة الرسول قبل ذلك بسنين.
تقدم ابن باديس بطلب الاعتماد لجمعية العلماء المسلمين لدى الحاكم الفرنسي المسؤول عن الشؤون الدينية، فنال الموافقة على عجل؛ لحاجة المستعمر إلى خطوة تلطيفية اتجاه الشعب الذي ثارت حفيظته جراء تلك الاحتفالات. وكان من حكمة المؤسسين للجمعية إدراجهم ضمن قائمة الأعضاء أسماء تمثل كل الأطياف الدينية العاملة على الساحة الجزائرية: الزيتونيون، والطرقيون أرباب الزوايا، والإباضيون ممثّلين بكبيرين من أعلامهم: الشيخ إبراهيم أبي اليقظان، والإمام إبراهيم بن عمر بيّوض، شخصية هذه الدراسة.
(1) محمد الطاهر عزوي: «الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض: عمدة من أعمدة الحركة الإصلاحية في الجزائر لمدة نصف قرن من 1931 إلى 1981»، ص 186، الملتقى الأول لفكر الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، القرارة (8- 9محرم 1421هـ/ 13 – 14 افريل 2000م)، منشورات جمعية التراث، غرداية 2002م.