محاضرات مهرجان الشيخ بيوض - مادة خام
الجزء ١ · صفحة ٩ترى، هل كان بنو ميزاب سينخرطون في مذهب آخر، غير الإباضي، لو أن دعاته جاؤوهم بالحسنى كما فعل أبو عبدالله النفوسي؟ الجواب: ربما. وتلك ظاهرة تطرد في نشأة كل المذاهب تقريباً؛ فالظروف التاريخية غير الموضوعية كانت عاملاً مساعداً وأحياناً أخرى عاملاً رئيسياً في اعتناق مذهب ما أو التبدّل عنه إلى غيره. وشأن المعطيات الموضوعية – رغم أساسيتها- بسيط، إذا صفت لها النيّات وانفتحت لها القلوب. إنّ الحوار بالتي هي أحسن، في إطار القبول بالآخر على أساس الوفاق والكلمة السواء، كان وسيظل السبيل الأوحد للوصول إلى القناعات، بل إنه المفتاح السحري لكل من أراد النفاذ إلى عقول الآخرين وقلوبهم. إذا أدركنا هذا، عرفنا بوضوح كم نحن متعصبون، وكم هي الجدر سميكة عالية بيننا وبين الرعيل الأول قبل اختلاف أتباعهم. وفي مقابل ذلك أيضاً وعيناً أي واجب ينتظرنا اتجاه بعضنا، وأقلّه إلحاحاً طيّ هذه الرواسب التاريخية، وإلقاؤها عنا بعيداً، لنخلص أمّة واحدة على منهج الرسالة والوحي تسير.
قلّما تلفي أبناء ميزاب يقطنون خارج واديهم من شمال الصحراء الجزائرية، ومردّ ذلك حدث في التاريخ، عقب الهجرة الهلالية في القرن الخامس الهجري (11م)، التي زحزحت الميزابيين من المناطق الشمالية فألجأتهم إلى تخوم الكثبان الرملية، بواد غير ذي زرع، يطوف نهره موسمياً بمياه الأمطار، فيجدون فيها مورداً عذباً وكدراً. وربّ ضارّة نافعة، فلعل هذه العزلة ساهمت في المحافظة على مذهبهم الاعتزالي، علاوة على تحقيق حلمهم في الاعتزال والتميز عن غيرهم، «فكانوا في هذه الفترة اسماً على مسمّى: معتزلة منعزلون، ويظل حبّهم للتميز عن غيرهم هدفهم المنشود عبر العصور، وما انضمامهم إلى الإباضية دون غيرها من المذاهب إلاّ دليل واضح على هذا التوجّه».(1)
(1) المرجع السابق، ص 126، 131.