محاضرات مهرجان الشيخ بيوض - مادة خام
الجزء ١ · صفحة ٩٨أنا واقعي، فلسفتي واقعية، أُجَابِه حقائق الحياة، وأقدِّر الظروف قدرها، وأَلبِس الأيَّام على عِلاَّتها، ولا أكلِّفها ضدَّ طباعها، وآخذ العفو وأعرض عن الجاهلين. أمتطي الصعاب إلى غايتي، وأركب الأسنَّة إلى غرضي، وأتجرَّع الصبِر لشفاء علَّتي. ضحوك السنِّ مَرِح الفؤاد، طَلْقَ المحيَّا كيفما كانت الأوزار التي تُنقِض ظهري، مؤمن بأنَّ السعادة من النفس، لا ممَّا أحاط بالنفس، مطمئنَّ القلب أبدا بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب. كذلك أرجو أن تكونوا، يا من أَبَوْتُهُ زمنا، وحضنته أمدا، أهذِّبه وأزكِّيه وأعلِّمه الكتاب والحكمة. أسكب من سماحة نفسي في نفسه، وأفرغ من إيمان قلبي في قلبه، وأريه الصبر والجَلَدَ والحِلمَ والاحتمال في مختلف صورها وأشكالها. فما لنفوسكم لا تتشرَّب هذه المبادئ الساميَّة، وهي كلُّ العُدَّة في هذه الحياة، وقد رأيتم رأي العين أثرها في مغالبة الصعاب وتذليل العِقاب وفتح موصد الأبواب؟ وما لحاسَّة حسن التقدير فيكم ضعفت هذا الضعف المشين، وقد رأيتم عين اليقين نجاح من مُنحها، وخيبة من حُرِمها في كلِّ ميدان من ميادين الحياة. لقد ظننتم أنَّ المعرفة هي كلُّ العُدَّة في هذه الحياة. ألا فلتعلموا أنَّها أضعف العُدَّتين. فإنَّ أقواهما الخلق المتين. لقد غرَّكم سبق رجال في ميادين العرفان ظننتم أنَّهم المعدن الكريم والذهب الثمين، وأنَّهم الفائزون بالحسنيين. وما يدريكم عمَّ تتكشَّف فتنتُهم إذا فُتِنوا في ميادين الأعمال. إنَّهم، والله، أوَّل الساقطين وطليعة المنهزمين وإن لم يكونوا على خلق عظيم. ولا أجدى على المتعلِّم من رياضة النفس المبكرِّة المتمشِّية مع أطوار الدراسة ومراحل العمر، ولا أنفي للزغل والخَبَث عن معدنه، إن كان كريما، من فتنة العيش والعشرة يصلى نارَها ويذوق أُوَارَها والنفسُ رطبة لَدْنة.