رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ١٠

توفي حمو غلاما يافعا، فزوج الوالدان ابنيهما عائشة، وأما بية فزوجها الخال بهون حاجو بعد وفاة الوالد. وكان الوالد -رحمه الله- يتسم بطابع الجدية والوقار، فعرفت كيف تعامله وتلاطفه، وأعانته على نوائب الزمان، بما كانت تنسجه من الأكسية الصوفية تباع في سوق البلدة بالمزاد العلني، لتوفر له بعض مال الإنفاق الضروري. وهكذا أصبحت وحيد أمه بعد وفاة الوالد سنة 1932 ولي من العمر حوالي ثلاث سنوات، كما ينصّ عليه عقد تحجير رسمي سجله والدي في فترة مرضه تحت رقم 113 بتاريخ 17 مارس 1932 في كفالة خالنا السيد بهون حاجو. ولكن لم يكن لذلك التوكيل والتحجير مفعول ولا أثر كبير، إذ تمت وفاة الوكيل بعد فترة قصيرة، أي في سنة 1936 إثر مرض أقعده الفراش فترة من الزمن، كما توفي بعده أخوه صالح، فأصبحت الوالدة مقطوعة الصلة عن كلّ ذي رحم يمدّ إليها يد العون. ولم تكن العشائر يومئذ على حالة من التنظيم والوعي لرعاية أيتامها أو التّكفل بالعجزة الضّعاف، سيما إذا لم يترك الهالك مالا أو متاعا. فشمّرت الوالدة على ساعد الجد لكفالة طفلها بكدّ يمينها نسجا للأكسية الصوفية، أو تعميرا للمضاجع الصوفية "المطارح" على مختلف أحجامها عند العائلات، أو تنظيفها لغسيلها في مختلف الأجنة بحثا عن بئر تتوفر فيها مرافق الغسيل والماء الضروري لذلك. فلا تكاد تجد ضالتها إلاّ بعد جهد وعناء، لوطأة القحط وشح السماء، وبعد وفاة أختي "بية" في مجرى سنة 1937 ومطالبة زوجها بنصف ما تملكه معنا في الدويرة التي ورثناها من الوالد اضطرت والدتي إلى بيع مصوغها الذهبي لتسدّد به المبلغ المقدر لذلك، حتى لا تباع الدويرة في المزاد العلني بالسوق كما يطالب به الزوج الوارث بدون شفقة ولا رحمة، بأن نطرد من الدار، فنضطر إلى الاكتراء والاستئجار.

١٠ / ٢٥١