رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ١١

تابعت الوالدة مسيرتها في الحياة مع وحيدها تغالب متاعبها وتواجه ضوائقها وتذوق حلوها ومرّها في صبر وأناة، وتارة يقعد بها المرض أياما وليالي وهي طريحة الفراش تتجرع الآلام والأوجاع بمرض يسمى "الشقيقة" وهو صداع حاد مصحوب بالقيء في مرارة وعزوف عن الطعام. فلا تكاد ترفع رأسها عن الوسادة، وهي تئن وأنا إلى جانبها حزين لا أملك من أمري شيئا، إلاّ أن أتردد على الكتّاب، ثم أرجع إلى الدار لألتمس ما أتبلغ به، فلا أكاد أجد إلاّ التمر والخبز اليابس، وبعد أسبوع كامل يسرّى عنها فترجع إلى حالتها العادية. وتدق طبول الحرب العالمية الثانية سنة 1939 وماذا ينتظره الناس من الحرب غير الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات.

لقد أثرت الانعكاسات المشؤومة للحرب على حياة أسرتنا كباقي الشعب الجزائري البائس، فقلت الفرص أمام والدتي في العمل والكسب. وربما وجدت بعض المال، ولكنها لا تجد من يكفل لها حاجياتها من المواد الضرورية التي يعجز عن جلبها حتى الرجال الأقوياء. لأن تلك المواد لا تلتمس إلاّ في السوق السوداء.

وكنّا أمام هذا الوضع المشؤوم لا نملك في دارنا -أحيانا- صاعا من قمح أو شعير. وإذا قدّر أن يتصدّق علينا أحد المحسنين بكمّية من التمر والخبز اليابس، أو بقطعة من قماش جديد، تتزين به يوم العيد، فتلك منة عظمى لا يعرف قيمتها إلا الجائعون والمحرومون. أصبح لي من العمر أحد عشر عاما في سنة 1940، والحرب العالمية على قدم وساق. وكان الفقر وسوء التغذية قد تركا آثارهما على جسمي، أمشي بين أقراني نضوا هزيلا. ولكن ما حيلة الطفل الفقير غير الضرب في أرض الله للكسب والارتزاق، وتحمل عبء الأعمال في دكاكين الأغنياء بما لا يطاق.؟!

١١ / ٢٥١