رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ١٢٩ولم يسعنا إلا أن نخوض غمار المعارك الانتخابية بأساليب اضطررنا إليها دفاعا عن الكرامة من جهة، وإثباتا لمن يتنكّر لنا بأننا أُصلاء في الجزائر قلبا وقالبا، نبتت جذورنا على أديم هذه الأرض طاهرة نقية، أنشأنا حضارتها من عدم، وأقمنا عمارتها على أسس من الدين الحنيف وتعهّدنا شجرتها بالريّ والنماء، ولسنا غرباء -كما يعتقدون- أننا نزحنا من الساقية الحمراء ووادي الذهب، وعلّمتنا الأحداث كيف نستطيع أن نقلب موازين القوى لصالح منتخبينا بحيث يكونون هم الأغلبية في تلك المجالس، وكان جمهورنا الكريم منضبطا شديد الثقة بقيادته التي كانت ممثلة في مجلس "الكرثي" ففي سنة 1967 يقع مثل ذلك الترشيح من طرف الحزب لنواب المجالس البلدية، وكنت ضمن المترشحين للبلدية الأم في غرداية مع الأخوين: بكلي بابة أحمد بن حمو "بلال" وزرقون مسعود. ولا يملك المناضل في الحزب حق الرفض إذا ما وقع عليه الاختيار، وبعد ظهور النتائج بأغلبية أصحابنا. ترددت إشاعات بأن الأغلبية يمكن أن تختنار أعضاء المجلس التنفيذي، وبالتالي تتحقق رئاسة البلدية لها. وفي إطار هذا المنظور الديمقراطي لست أدري كيف وقع التفكير لدى أصحابنا في غرداية أن يرشحوني لرئاسة البلدية. وكنت أسمع تلك الشائعات ولا أعلم مأتاها، على أنني كنت على يقين أن الحزب له تخطيط آخر في مراعاة التوازن بين التشكيلات الاجتماعية المتساكنة. تغابيت عما أشاهده وألقيت الحبل على الغارب، وتجاهلت ما يتحدث به الناس، وإن كنت في قرارة نفسي أخشى أن يكون في الأمر شيء، فصرت أدعو الله دبر كل صلاة أن يجنبني هذه الورطة، وأن يصرف عني شهوة الجاه والسلطة، كما كانت والدتي تفعل مثل ذلك برجاء مني. وفعلا فقد حدث ما توقعته، إذ دعيت إلى مجمع في غرداية ضم بعض سراة الإصلاح، ليقنعوني بقبول الترشيح إلى رئاسة البلدية، وأنهم سوف يقفون إلى جاني في كل ما يحتاجه هذا الأمر من عون ومساعدة.