رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ١٧في هذا الجوّ الطاهر السّاذج قضيت العقد الأول من عمري مترددا بين الكتاب والمدرسة الفرنسية، فختمت القرآن ولما أتجاوز عشر سنين، وبدأت في إعادة السّلكة للحفظ وقد جرت العادة في البلد أن يقيم الأولياء حفلا تكريميا لولدهم عندما ينتهي في حصته القرآنية إلى قوله تعالى في سورة "آل عمران": ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُومِنِينَ﴾ [آل عمران:171]، والحفل عبارة عن حضور الشيخ المعلم مرفوقا ببعض التلاميذ من رفاق المحتفل به، وبعض الطلبة "إيروان" الحافظين للقرآن. فيجتمعون بعد صلاة العصر مباشرة أمام دار المحتفل به -وهو في اللباس التقليدي للطلبة- عباءة بيضاء وطاقية ولحاف-، ثم يتلون النصف الأخير من "آل عمران" ابتداء من الآية المذكورة. وبعد الدعاء والمباركة يتقدّم التلميذ التالي للمحتفل به في الحصة القرآنية يتقدّم وينادي بأعلى صوته في الحاضرين: فلان بن فلان قد بشّر القرآن، وهو كناية على بلوغه الآية المذكورة. ثم توزّع على الجميع ما أعده ولي التلميذ من الصدقة. وكانت عبارة عن أرغفة وبيض وفول توضع في لفافة من قماش أبيض لكل واحد من الحاضرين وتبعث كمية من الخبز والفول إلى المسجد. وإذا كان الولي موسرا فقد ينفح لكل الحاضرين بعض النقود. كنت أنتظر هذه الفرصة السعيدة بشغف، وأنا المتفوق بين لداتي في الكتّاب، وكنت المحظي الأثير عند الشيخ. ولكن أنى ليتيم فقير مثلي أن يجد ذلك من أمه الأرملة الدائبة في كسب قوتها بعرق الجبين، وليس لي من أقربائي ولا من أبناء عشيرتي يومئذ من يهتم بشؤوننا. وكنت كلما ألححت على والدتي في القيام بتلك الوليمة بادرتني بالبكاء والشكوى، فيحز ذلك في نفسي، ولا أجد مناصا من الإذعان للواقع المرير. وأنا أتابع حصتي حتى ختام سورة البقرة، ثم البدء في الإعادة لترسيخ الحفظ.