رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ١٦

ثم إنّ والدتي -رحمة الله عليها- تأخذني بالصرامة والمراقبة الشديدة لكلّ تحرّكاتي واتصالاتي داخل البيت وخارجه، حفاظا لي من قرناء السوء، فكان لها في نفسي رهبة شديدة، وانصياع مكين لكلّ ما تأمرني به وتوجهني إليه. وهي من جهتها لا تدّخر وسعا في حسن القيام بشؤوني وإصلاح حالي لأبدو سليما مستور الحال بين أقراني. فتوقظني عند الأذان الأول للفجر، لأذهب ثقيل الرأس بالنوم متعثّر الخطى فآخذ مكاني على عتبة الكتّاب مع بعض الرفقاء ننكمش إلى بعضنا البعض كالقطط الصغيرة انتظارا لقدوم المعلم وفتح باب الكتّاب.

كان التعليم تقليديا محضا يقتصر على تحفيظ القرآن الكريم، تلقينا للأطفال الصغار أو استظهارا لحصص معينة للكبار، وتسجيلا لها على الألواح الخشبية بإملائها لهم من طرف المعلم، وهو يتربع على مدرج مبني في صدر الغرفة، مفترشا جلد شاة، ومتلفعا ببرنوسه الخشن شتاء، وبعباءة فضفاضة صيفا، وإلى جانبه الدواة والأقلام وعدد من العصي تختلف في طولها بعدا أو قربا من صفوف التلاميذ الذين يصطفون أمامه جلوسا على الأرض المفروشة بالحصر البالية شتاء أو المرملة صيفا. وبعد صراع مرير مع العزابة المحافظين في مسجد "أبي سالم" استطاع شيخنا -رحمه الله- أن يجلب بعض السبورات بلون أخضر حتى يسجل عليها بعض المحاورات الفقهية أو التاريخية كنا نلقيها على وفود الزائرين من حين لآخر. فنسجلها نحن على دفاتر، نتخذ من ألواحنا الخشبية فوق حجورنا منضدة لها.

١٦ / ٢٥١