رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ١٨٦وليس المهمّ في هذا المقام أن أحلّل دوافع تلك الفتنة العمياء وأسبابها القريبة والبعيدة، لأنها في الواقع وليدة تراكمات، تضافرت عليها عدة عوامل حضارية وثقافية واجتماعية. غير أن ما يمكن أن نستخلصه من العبر في حق مجتمعنا مما تعرض إليه هو ذلك العمق الحضاريّ الذي يتمتع به، والرّصيد التّربويّ الأصيل الذي جعله صامدا أمام التّحديات، عاقلا رزينا عند احتدام المهاترات. لقد حزّ كثيرا في نفسي ما وقع، وأنا حذر مشفق لوقوع ما هو أكثر. لقد كان ينتابني شعور غريب بأن المولى تبارك وتعالى يدبّر لهذا الشّعب أزمة أليمة هي نتيجة لمسيرة تمتد لثلاثة عقود من الزّمن في ظل الاستقلال الوطنيّ تبحبح فيها هذا الشّعب في رغد عيش واستباب أمن وتوسّع عمراني لكل الحواضر في البلاد وأخذ التّرف والبذخ يمّيع الأخلاق ويضعف القيم والمبادئ، ضرورة إهمالنا للعنصر البشري في مسيرتنا التّنموية، إذ لم تستقرّ المدرسة الجزائرية على منهج تربويّ رشيد يركز في نفوس الأجيال الحسّ الدّيني والوطنيّ، وينمّي الحسّ المدني للتّحلّي بالمواطنة الصّادقة، فعاش مجتمعنا تناقضات صارخة وأصيبت مقوّماته في الصميم، وقد هبّت حول العالم رياح العولمة، وما صاحبها من الدّعوة إلى الدّيموقراطية والتّعددية الحزبية، تذكي ضرامها القطبية الأحادية، فما على الضّعفاء إلا أن تستجيبوا لإصلاحات الأقوياء في تكييف للدّساتير وتغيير الأنظمة.