رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ١٩دبّت في بيتنا حركة غير عادية، إذ كانت جاراتنا مع الصويحبات لوالدتي يتجمعن لإعداد الوليمة، والقيام بلوازمها ما بين فرز وطحن وعجن وطبخ، وهن يرتلن بعض الأهازيج تملأ الجو حيوية ونشاطا، وتغمر بيتنا يمنا وبركة، وكانت جاراتنا عائشة بنت بالحاج حرم المرحوم السيد امحمد الحاج إبراهيم بن عمر، وهو من سراة القرية ومن طلائع الإصلاح فيها. كانت هذه الجارة الطيبة أشد الناس اتصالا بنا، وأرقهم قلبا لحالنا، وأكثرهم حنوا ومواساة لنا، وهي ربيبة النعيم في كنف زوجها المفضال، إذ كان موسر الحال. كانت -رحمها الله- تناغيني بكلمات طيبة، تركت أثرا طيبا في نفسي عن طريق الإيحاء بالمعاني التي تتضمنها تلك الأهزوجة، ترددها على مسمعي بلحن حنون وبلهجة اللغة المحلية إذ تقول: "إلا دا الطالب دا عزاب، إلا ديرو تامجيدا" وتعريبها كالتالي: "لقد غدا عضوا ضمن الهيئة الدينية، وغدا حافظا للقرآن ضمن عمار بيوت الله" وما كانت تدري -رحمة الله عليها-إن ذلك الفتى الصغير سوف توجهه الأقدار إلى ما كانت تتمناه له. فسبحان الذي صوّر ذلك الأثر العظيم للكلمة الطيبة عندما قال: ﴿اَلَم تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ اَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ، تُوتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينِم بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم:24 - 25]، وهكذا تمت الوليمة على أكمل وجه، فكانت البلسم الشافي لنفس ذاقت مرارة الحرمان، وعانت ذل الفقر، فرحم الله شيخنا، وتقبل عمل المحسنين، الذين لم يفصح عنهم الشيخ، لأنهم يريدون بعملهم وجه الله.