رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ٢٠

بعد ختمي للقرآن انقطعت عن الدراسة في المدرسة الفرنسية بعدما انتهيت إلى مستوى الشهادة الابتدائية، وكنت أحسن القراءة والكتابة بها، غير أن ميولي الطبيعية كانت إلى اللغة الفصحى. فتفرغت لإعادة القرآن حتى انتهيت إلى سورة "إبراهيم" في حفظ جيد. وكانت نذر الحرب العالمية الثانية تلوح في الأفق، فأصبحت غلاما يافعا ميالا إلى الهدوء والرزانة، شديد الحساسية لما أشاهده من متناقضات في المجتمع محروما من أخ يعضدني، وحتى من قريب ذي رحم أستأنس به، إلا ما يكون من زوج شقيقتي "عائشة" حين يتردد على البلد من مدينة "الجلفة" حيث يعمل شريكا مع أخيه الكبير "كعباش الحاج" وأبناء خاله إبراهيم وصالح وعمر أبناء المرحوم سعيد الحاج امحمد بن إبراهيم قباض، كان صهرنا يتفقد أحوال أمي ويبعث لها بأضحية العيد في كل سنة، وحسبه بذلك مكرمة عند الله، مواساة للأرملة واليتيم.

أصبحت ولي من العمر إحدى عشرة سنة، وفي مثل هذه السن يتحتم على أبناء الفقراء أمثالي أن يضربوا في أرض الله للكسب والارتزاق، عملا في إحدى متاجر "بني ميزاب" في مدن الشمال بأجر زهيد في عمل شاق لا رحمة فيه للطفولة البريئة. وكانت أمي -رحمها الله- عوّدتني الاعتماد على النفس، إذ تكلفني ببعض الأعمال غير المرهقة كسقي الماء من آبار تقليدية بجوار بيتنا، أو جمع بعر الإبل من مجرى القوافل في "وادي ميزاب" المنحدر إلى ما وراء سد "أحباس" بالعطف، إذ أكفيها بذلك مؤونة الوقود للطبخ أياما وليالي. كما كنت أقوم بكتابة الرسائل لبعض الأسر التي يغيب عنها عائلها في مدن الشمال. فتنفحني ربّة الأسرة بعض النقود، كنت أساعد بها أمي في الإنفاق.

٢٠ / ٢٥١