رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ٢وبعد: فها أنا قد ذرفت على الثمانين، ولا أدري هل أتابع مدرج القرن، وأنا نازل في سلم العمر درجة فدرجة إلى أسفله، أم تهوي بي الرجل لأسقط صريعا، والله أعلم بمنتهى الآجال. ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ اِنَّ ذَالِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر:11]، غير أني -وإن كنت أحمد الله على أن أمدّ لي في الأجل إلى ما فوق العقد السابع-، فإنّ وطأة السنين قد أحنت على ظهري، وأوجاع المرض تناوشني من حين إلى آخر، وما في ذلك من عجب، وما لنا عن سنّة الله من تملّص ولا هرب، وهو القائل: ﴿وَمَن نُّعَمِّرْهُ نَنكُسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ [يس:68]، وأحمد الله كثيرا أن أبقى لي يدًا تكتب وعينًا تبصر وذاكرةً ما تزال تحتفظ ببعض قوّتها، وإن كانت تأخذها غفوة من حين إلى آخر. وإذ أنا من الجيل المخضرم فقد واكبت أحداثا جساما عاشتها منطقة "وادي ميزاب" ضمن الأجواء السائدة في الوطن الكبير -الجزائر الحبيبة-، إن في فترة الحربين العالميتين في القرن الماضي، أو في مقارعتها للاستعمار البغيض سياسيا، وثوريا، أو في طور البناء والتشييد للجزائر المستقلة. عايشت تلك الأحداث كلها في المجال المحلي والمجال الوطني، وخضت غمارها جنديا بسيطا ينفذ الأوامر والتعليمات، ومسؤولا على بعض القيادات تارة أخرى، وكنت أسجل في مذكّراتي ما يستحقّ التسجيل من تلك الأحداث وأعلق عليها من وجهة نظري فأصيب وأخطئ وأشتد وألين. كما حاولت أن أترجم لجيل النهضة والإصلاح في بلدتي … -العطفاء- وهي لم تتوان في المشاركة، بل كانت دائما في قلب المعركة تصول وتجول، وأبناؤها سباقون إلى كل مكرمة وتعمير وبناء، ولا تعوزهم النخوة والإباء، ولا يفتقرون إلى الرأي والدهاء.
ولعل ما قمت به من التسجيلات في هذا المجال -وإن لم يتم تنسيقه- يجد فيه الباحثون ضالتهم في ضبط فترة حساسة من تاريخ المنطقة.