رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ٥١

طويت المسافة إلى تونس على مراحل في أربعة أيام مرورا من الجلفة فبرج بوعريريج فقسنطينة فسوق أهراس ثم تونس على طريق "غاردوماو" للسكة الحديدية، وهناك في محطّة القطار بالعاصمة التونسية، دهاني شيء من الحيرة والقلق مما أنتظره من الرفاق عندما أنضم إلى مثواهم، وبصحبة أحد الحمالين انتهيت إلى "سوق البلاط" فإذا بالزملاء بين متمالك لعواطفه، ومغلوب عليها لا يخفي امتعاظا وتبرما. غير أن الأخ سعودي -بارك الله في أنفاسه- كفاني كل ملام أو نقد بصراحته المعهودة، لأن الرفاق ما ضاقوا بي ذرعا، ولكن يخشون أن يلتحق آخرون، فلا يجدون لهم متسعا، ولم يبق من بيوت الدار إلا غرفة واحدة استبقاها وكيل الوقف المرحوم الشيخ الثميني الحاج محمد تحسبا للوافدين من جماعتنا بين الحين والآخر، فلم نجد أنا والأخ سعودي إلاّ الرّدهة الأمامية لتلك البيوت التي يستغلها الرفاق من قبل، وإذ نحن في وضعية غير صحية فقد رضينا بها مستقرا لمضاجعنا من غير أن نزعج أحد رفاقنا أو نضيق عليه في بيته، فأصبحنا بعد متحابين متعاونين على مستوى واحد من الأعمار والشعور بالمسؤولية، فلا رئيس ولا مرؤوس ولا غني ولا فقير، وهكذا انطلق هذا الركب الميمون في ذلك البحر الزاخر نغترف من فيضه، ونستفيد من ربوعه في كل المجالات، يحدونا الأمل من أن نكون روادا صادقين للأجيال، نمهد الطريق لمن يلتحق بنا إلى ذلك المورد السلسال.

هكذا وجدتني في جو تونس الخضراء، مدفوعا إلى التكيف مع متطلبات الحياة هناك، وليست بالساذجة البسيطة كما ألفناها في الصحراء، فالأمر يتطلب من كل واحد منا سعيا دؤوبا وإرادة حازمة، واعتمادا على النفس، إذ أننا وإن توفر لنا المستوى المطلوب في العلوم الأدبية و الشرعية، على مستوى التحصيل -أي المستوى الثانوي- فإننا لا نستطيع الانخراط رسميا في عداد الطلبة المسجلين وذلك للأسباب التالية:

٥١ / ٢٥١