رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ٥٦

فوا حزنا لو ينفع الحزن أهله … وواجزعا لو كان للنفس مجزع

فأيّ فؤاد لا يذوب لما يرى … وأي عيون لا تجود فتدمع

وعدت إلى تونس الخضراء، على حدود "غار دوماو" يرافقني الأخ بكلي بابا أحمد بن حمو "بلال" لينضمّ هو الآخر إلى البعثة بعد أن أصبح مستقرها في دار نهج ابن خلدون، وأذكر بخير الخالة "رحمة" طباختنا الماهرة، تتفنن في إعداد طعامنا بكيفية ممتازة، وكانت الدار على الطراز الإسلامي التركي الفاخر، ذات مقصورات وغرف واسعة يتوسطها فناء واسع يقوم على جانبين منها رواق بأعمدة رخامية، ويتوسط الفناء سياج مربع لفلة مزهوّة يتضوّع أريجها من حين لآخر، وقد أضفنا على مدخلها مرافق للطهارة.

ذلك هو المستقر الذي أمضيت فيه سنتي 1953 و 1954 قرير العين منعّم البال، وكان يزورنا من حين لآخر بعض سراة الإصلاح، كما كان يزورنا أحد المشائخ فنقيم له حفلا أدبيا مناسبا فيبارك أنظمتنا وأنشطتنا، وقد زارنا الشيخ الإمام في مجرى من سنة 1954، كانت لنا معه مناقشات ثرية مفيدة، فخلدنا زيارته بصورة تذكارية جماعية بكل أعضاء البعثة، ما زلت أحتفظ بها، وكانت عودتي الأخيرة إلى تونس سنة 1953 ذلك ما تيسر لي من حظ الورود من حوض تونس العذب. وقد تزودت من آليات العلوم الأدبية والشرعية ما يضمن لي الاستزادة والتعمق فيها، وهي سلاحي في معترك الحياة وغمار المسؤولية، وفي أواخر الربيع من سنة 1954 زارنا الأستاذ الإمام بكلي عبد الرحمن بن عمر، مرفوقا بفوج من التلاميذ الصغار، من مستوى السادسة ابتدائي، ومن ضمنهم ابنه الأخ عبد الوهاب، وكلهم من بريان، فخرق بذلك القاعدة التي تم الاتفاق عليها في النظام الداخلي للبعثة، وهي ألا يندرج في إطار البعثة إلا الطلبة الكبار، ولكن لكل قاعدة استثناء، سيما إذا كان ذلك الاستثناء ممن يملكون القرار؟.

٥٦ / ٢٥١