رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ٥٥

ثمانية أيام قضيتها في العيادة تماثلت للشفاء، أوفر ما أكون صحة وعافية، بعد ما أكّد لي الجراح أنني سوف أنعم بتطورات كبرى فسيولوجية في بدني، تحققت بالفعل فيما بعد.

ومن مبرات السيد الواهج الحاج يحي شراؤه لدار البعثة في نهج "ابن خلدون" بباب "منارة" وذلك إثر قيامنا بحملة دعائية، نشخص بها وضعيتنا المزرية في دار الجماعة لرؤساء الجمعيات الإصلاحية وعلى رأسهم الشيخ الإمام "بيوض" ونستعطفهم لشراء تلك الدار تكون مركزا للبعثة بكل ما تتطلبه من رئاسة مسؤولة ونظام محكم، وذلك ما تم في صائفة 1952، من ثم تدفقت الوفود الطلابية من الأجيال التي بعدنا في المعهد، وارتحلنا إلى الدار الجديدة، فنسقنا نظامها الداخلي، وتنصب المكتب الإداري الذي أصبحت من عناصره البارزة، كما تعيّن على رئاسة البعثة الدكتور محمد بن عمر لعساكر.

وبعد سنتين من الغربة عدت أدراجي إلى الوكر الحنون عودة الجندي الظافر، وذلك في أوائل شهر جويلية لسنة 1952 صحبة الأخ سماوي أيوب، وقد أقيم لنا حفل استقبال في نادي النهضة، وتم اللقاء السعيد ليثمر ابنتي البكر "عائشة" سنة 1953، ولا تسل عن فرحة الأم الرؤوم، وقد تأكدت أن وحيدها ليس بالزوج العقيم، كما كان يشاع عند الكثيرين، بأن العملية الجراحية قد تقطع حبل الإنجاب، ولكن ربي لطيف لما يشاء، يدبر الأمور وييسر الأسباب، فأنى للزمان أن يغفي عن السعداء، وأنى للدهر الخؤون أن يطيل حبل النعماء. يقول المتنبي:

صحب الناس قبلنا ذا الزمانا … وعناهم من شأنه ما عنانا

فتولوا بغصة كلهم منه … وإن سرّ بعضهم أحيانا

ربما تحسن الصنيع ليالـ … يه، ولكن تكدر الإحسانا

نعم .. إن هي إلا لحظات حتى دقت ساعة الرحيل، فاستوحش الربع بعد إيناس، وانفض جمع الندامى وجفت الكأس، فلنعلل النفس بالأماني فإن الفلك يدور، وعاقبة الخير لكل صبار شكور، ودّعت تلك الأيام الصافية ولسان حالي يردد مع جميل:

كفى حزنا للمرء ما عاش أنه … بين حبيب لا يزال يروّع

٥٥ / ٢٥١