رسالة الطالب لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٣١لقد فتحتم لنا قلوبكم، فانشرحت صدورنا لكم في أوّل لقاء بكم في ديار الغربة، وفسحتم لنا في مقرّاتكم، فسح الله لكم في جناته. لقد سهرتم على راحتنا، وسهّلتم أمورنا، وقمتم بشؤوننا، وقضيتم مآربنا، سهّل الله لكم طرق العلم وطرائق الحياة الهنيئة.
إخواني، لقد لمسنا فيكم الإخلاص في خدمة العلماء، وإكرام النّزلاء، وإيواء الغرباء، منحكم الله عليها منزلة الشّهداء، بالقرب من الرّسل والأنبيّاء، إنّه أحسن الأسخيّاء. أكرموا ضيوفكم يكرمكم العزيز الجواد، أحسنوا إلى النّاس يحسن إليكم ربّ العباد.
إخواني، لقد فضّلتم السّفر والبعد عن الأهل من أجل العلم، إن هذا مسلك نبيل، ومركب جليل، أحسنتم فيه الاختيار. بارك الله في مسعاكم، وحقّقَ مناكم.
ما أوصيكم به هو الحرص على استغلال أيّامكم في أرض الكنانة، والتّزوّد من مختلف المعارف بشغف ونهم وقوّة، فلا تنشغلوا عن العلم إلّا بما هو ضروري، واعملوا بنصيحة العالم الكبير الخليل بن أحمد الفراهيدي:" إِعط كلَّك للعلم يُعطك بعضه"، واعلموا أنّ العلم الذي ينفع هو ما أخذ عن أصول وقواعد. إذا أَخْطَأَتْكُم هذه القاعدة في هذه المرحلة يصعب تداركها في المستقبل. فتكوّنوا بقوة، وخذوا العلم من أهله، واستثمروا في الجوّ الذي يناسبه: وفرة المراجع والمصادر، وجود العلماء الكبار، تنوُّع في مصادر التّعلّم والتّلقّي، محيط ينضح بالثّقافة والمعارف، تفرّغ للتّحصيل والتّكوين … كلّ هذه المعطيات متوفّرة عندكم – في أرض الكنانة - فاحمدوا الله، واطلبوه المزيد، واسألوه التّوفيق في الإفادة منها. فالحياة فرص، من ضيّعها تَجرَّع الغصص.
تغرّبتم عن وطنكم، لتعودوا إليه طاقات تنفعه وتخدمه، وترتقي به في مدارج الكمال، فاحذروا أن تؤوبوا إليه بغير ذلك. فتكونوا من الخاسرين الهالكين. وممّن يكون حسابه عسيرا دنيا وأخرى، يعزّره مجتمعه، ويحاسبه التّاريخ، ويسأله ربّه يوم القيامة: ماذا صنعت فيما منحته لك من نعم وفرص للتّعلّم؟! وماذا قدّمت لنفسك من خير، ولأهلك من جميل، ولوطنك من معروف، ولأمّتك من فضل … ؟!
إخواني، نحن في زمان اتّسعت فيه جوانب الحياة، وانفسحت فيه مجالات المعرفة، وتكاثرت مصادر التّعلم، وتفجّرت ثروات المعلومات وثرواتها … ممّا يطلب من كلّ شعب أو مجتمع مسايرة هذه التّطوّرات والتّغيّرات، كي يكون له مع خلق الله مكان وحضور ووجود، وتكون له في خضمِّ الصّراعات والصّدامات كلمة وحسّ … لن يحصل هذا إلّا بحسن تحصيل العلم، وترشيد طرق طلبه، وتعميم مجالات البحث عنه. فافقهوا سبل الوصول إليه، واعملوا على توفير كلّ التّخصّصات، التي تحتاجها أمّتكم، من دون التّفريط في أحدها. فزمن التّحدّي والتّصدّي والصّراع والهيمنة. لا يسمح بالتّراخي وتناسي أيّ مجال، مهما يراه بعضكم غير ذي