رسالة الطالب محمد بن قاسم ناصر بوحجام

رسالة الطالب لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٣٣

مجال كرة القدم. هذا حقٌّ من حقوقك المشروعة، بل هو من واجباتك المفروضة. يدلّ هذا على وطنيّتك وحبّك الكبير الصّادق لبلادك، وحبّ الوطن من الإيمان، والتّعاطف مع بلدك سلوك حضاري، وتصرّف جميل ..

لكنّ البقاء في نشوة الانتصار طويلاً، ينتقل بها إلى مخدّر، يصيب الأعضاء بالشّلل في ممارسة الأعمال التي عليك القيام بها واجباتٍ في الحياة. منها الاهتمام بدروسك، والعناية بفروضك المدرسيّة، وتوجيه طاقتك وإمكاناتك للتّعلّم والتّكوّن القويَّيْن. فأنت في ميدان تحتاج فيه أن تعطي كلّ نفسك له، ربّما يعطيك بعضَه، إنّه ميدان العلم، الذي لا يمكن لك الاستفادة منه إلاّ بالجدّ والمثابرة والعناية الكاملة ..

الإفراط في البقاء في دائرة التّعبير عن الفوز في مجال الرّياضة والإدمان عليه يفقدانك التّركيز في بقيّة شؤون حياتك، وبخاصّة ميدان التّعلّم، فتخسر كلّ شيء، لأنّ الذي يبني نفسك، وينشئ عقلك، ويكوّن ذاتك .. هو العلم. إنّ الرّياضة تعين على التّكوّن السّليم، بشرط أن تتسيّج بسياج العلم، وتنطلق من نقطة العلم، وتنبني على قواعد العلم .. إنّ الاستمرار في درب الانتشاء والفرحة بالظّفر بالمرغوب أو المطلوب خطر على نفس الإنسان وعقله؛ إنّ هذا التّصرّف يعطّل الحركة والنّشاط، ويصيب العقل باللّوثة وسوء التّدبير، ويبعث على الكسل، ونسيان الواجبات الحقيقيّة، وفقدان التّركيز ..

اللاّعبون الذين رفعوا للجزائر رايتها عاليًا، هم أبطال في مجالهم، وهم رجال في ميدانهم، اجتهدوا وعملوا يجدّ وعزم وحزم فبلغوا تلك المرتبة. فأنت مضمارك الأوّل أيّها الطّالب! هو ميدان العلم، وأنت في مرحلة تحتاج فيه أن تتكوّن وتتعلّم بقوّة .. عليك أن توجّه عنايتك الكاملة للتّعلّم، حتّى لا تضيع وتتيه وتخسر كلّ شيء. إعط لكلّ شيء حقّه، ولا تتجاوز الحدود المطلوبة تَصِرْ بطلاً، وإلّا كنت من الخاسرين والمفلسين في حياتك، فكلّ شيء يتجاوز حدّه ينقلب إلى ضدّه، ويبدأ بصاحبه فيقضي عليه.

الرّيّاضة مطلوبة، والفرح والاحتفال بإحراز نصر فيها حقّ مشروع، ومطلب نفسي، يعكس سلوكًا طَبَعيًّا في الإنسان، ويعبّر عن حسّ حضاري في الفرد .. لكنّه ينتقل إلى داء عضال، وينقلب إلى مرض مزمن، يقتل صاحبه إذا لم يعرف كيف يتصرّف معه بحكمة وتدبير حسن، يصدران عن عقل سليم ..

احذر أيّها الطّالب أن تبقى في دائرة الفرح طويلاً، وأن تظلّ مُجترًّا ومردّدًا ما حزت عليه من الانتصارات، فإنّ المبالغة في ذلك يؤدّي إلى الانهزام والانكسار؛ لأنّه يوقف العمل ويعطّل التّفكير في وضع خطط جديدة للتّقدّم في النّشاط، ويصوّر لصاحبه أنّه وصل الغاية والنّهاية والقمّة في المجد. أيّها الطّالب إنّك لم تخلق لميدان الرّياضة فقط .. إنّ الله - عز وجل - لم يخلقك عبثًا، ولم يخلقك لتعيش على هامش الحياة. ولا أن تكون قانعًا بالقليل ممّا تَحْصُلُ عليه. ولا أن تهتمّ بالقشور وتترك اللّبّ، ولا أن تعطّل مواهبك وتصرف وقتك في الأمور البسيطة،

٣٣ / ٤٤