صرخات
الجزء ١ · صفحة ١١نحمدك اللّهم يا من جعلت البيت مثابة للناس وأمنا، وجعلت أفئدة النّاس تهوي إلى حرمه الآمن، ووفقت رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات لأداء ما افترضته عليهم راجين منك المثوبة والغفران. ونصلّي ونسلّم على سيدنا محمد، خير من لبّى دعوة أبيه إبراهيم، فطاف وسعى وحجّ واعتمر، ونادى في أمته: «خذوا عني مناسككم».(1)
أما بعد: فيا أيها الأخوة المؤمنون، وفود الرّحمن وحجّاج بيت الله الحرام، بعد قليل ستحلّقون في الأجواء، ملبّين نداء ربّكم إلى حيث الأمن والرّحمة والرّضوان، في رحاب البيت العتيق وظلال الرّوضة الشّريفة، تغادرون الأهل والأوطان، والأحبة والخلاّن، وفي نفوسكم تحتدم لواعج الفراق تنمّ عنها الزّفرات والعبرات، إذ تتركون هذه الجموع الغفيرة من أهليكم وذويكم، يلوّحون إليكم بالأيدي، ويتابعون تحرّكاتكم بعيون شاخصة وأعناق مشرئبّة، وقلوب ملؤها الإخلاص والوفاء، وألسنة تلهج بالدّعاء الصّالح أن يكلأكم الله بحفظه ورعايته في الحلّ والتّرحال وأن يوفّقكم لأداء مناسككم على أكمل وجه وأتمّ صورة كما شرعه الله، وأن يلهمكم الصّبر على تحمّل مشاق الرّحلة، ويحفظكم من وعثاء السّفر وسوء المنقلب، حتى ترجعوا إلينا -بإذن الله- سالمين غانمين كيوم ولدتكم أمّهاتكم، مغفوري الذّنوب موفوري الكرامة.
ولئن عزّ عليكم أن تفارقوا أوطانكم وأهليكم فإنكم منذ هذه اللّحظات ستجدون الدّعة والطّمأنينة في كنف من هو أعزّ من الأهل والأوطان، خالق الأكوان ربّ العالمين، مجيب الدّاعين، ومجير المضطرّين، ففرّوا إليه بكل حرارة وإخلاص، وألحّوا في الدّعاء إليه بدون كلل ولا ملل، واطلبوا منه ما تشاؤون، فإن خزائنه لا تنفذ، وأبوابه مفتّحة لكلّ عبد منيب.
(1) - رواه البخاري من حديث ابن عمر، كتاب الحج، باب استلام الحجر الأسود حين تقدم مكة أول ما يطوف، ويرمل ثلاثا، حديث 1603. ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب الرمل في الطواف والعمرة، حديث 230، 1261.