صرخات
الجزء ١ · صفحة ١١٩أيها الإخوة أساتذة وأولياء، ما حفظ أبنائكم لكتاب الله وإجادة تلاوته ترتيلا وأداء إلا الخطوة الأولى في الوفاء بحق كتاب الله قمتم فيه بالفرض الكفائي على مجتمعنا الفاضل وعلى الأمة الإسلامية بصفة عامّة. فهناك خطوات أخرى هي-في رأينا- أهم وأولى بالعناية والاهتمام، ألا وهي مدارسة القرآن تدبّرا وفهما لنصوصه على اعتباره كائنا حيّا يتدفق حيوية وطاقة روحية إذا عرفنا كيف نحيا ونتجاوب معها، فإنها -ولا شك- ستحدث انقلابا في سلوكنا وتغييرا لأوضاعنا حتى نخرج من التّبعية المزرية ومن هيمنة القوى العالمية الكبرى على شعوبنا وعلى ثقافتنا ومقومات شخصيتنا، وتلك هي الغاية المطلوبة في خدمة كتاب الله لأنه تعالى يقول: ﴿كِتَابٌ اَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا ءَايَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الاَلْبَابِ﴾ (ص:29).
ولسنا بهذا الرّأي ننقص من حق الحفظ والتّلاوة والتّرتيل مما يحفظ تواتر النصّ المقدسّ، ولكننا نريدها خطوات أخرى نحن أحوج ما نكون إليها في هذا الزّمن النّكد الذي نعيشه من التّخلف والضمور الحضاريّ.
ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أوّلها، فلم يكن للرّعيل الأول الذين غيّروا مجرى التّاريخ، لم يكن لهم من طاقة ولا قوّة إلا هذا الكتاب المبين، إذ وسعوه تدبّرا وفهما وتعاملوا معه تجاوبا ووعيا، فغمرهم بفيوضه الرّوحانية وهزّهم بنفحاته الرّبانية، فهل نحن عاجزون اليوم على أن نسلك طريقهم في فهم كتاب الله؟، وقد وفّر لنا العلم من وسائل المعرفة ما لم يحلموا هم بعشر معشاره.
لا تتطلب إلا العزيمة والإرادة والتّخطيط الأمثل عسانا نكون من السّباقين في هذا المجال، ونكون في ذلك -بفضل الله- قدوة للأجيال، فإن المهمّ هو أن نخطو الخطوة الأولى على الطّريق الصّحيح والله يتولّى تسديد خطانا إلى ما فيه نبل القصد والغاية.