صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ١٤٠

فإذا كان واقع المسلمين اليوم قد شابه كثير من الخروقات الضّالة والانحرافات الباطلة من آثار الغزو الفكري والتّقليد الأعمى للحضارات الفاجرة الغالبة اليوم، فإن حكم الله الثّابت الرّاسخ من كتاب الله وسنة رسوله يضع لنا موازين القسط ويحدّد معايير الحق الذي قامت عليه السّماوات والأرض، وتحمّل الإنسان لأجل ذلك أمانة التّكليف ليكون خليفة الله في الأرض إصلاحًا وتعميرا وخشية لله ربّ العالمين.

وإدراكا منهم لتلك الأمانة العظمى فإن مشائخنا -رحمهم الله- أقاموا مجتمعنا على أسس الدّين الحنيف من خلال مؤسساتنا الاجتماعية متكاملة ومتعاونة في تأطير عناصر مجتمعنا الفاضل من قمته إلى قاعدته، وما حلقة العزابة وهيئة "تمسيردين" إلا العمود الفقريّ لتلك المؤسسات كلّها ما تزال -بفضل الله- تقوم بدورها الإرشاديّ والتّوجيهي قدر المستطاع نرجو لها مزيدا من النّشاط والفعالية لمواجهة كل التّحديات والتّغلب على كل الصّعوبات فنحن نعيش في زمن يقول عنه رسول الله: «يكون فيه القابض على دينه كالقابض على الجمر»(1) بانتشار الفتنة واحتدام الشّهوات. فما أحوج المسلمين اليوم إلى ما يجمع شتاتهم ويوحّد صفوفهم، ولا يتأتى ذلك إلا بأن تتفق منابرهم على صوت الحق المستمدّ من كتاب الله وسنة رسوله كما كان عليه منبر رسول الله في المدينة المنوّرة وهو موصول بالملإ الأعلى لإكمال دين الله وإتمام نعمته على المسلمين.

ولكننا اليوم -وبكل أسف- أصبح الحديث الدّيني مزيجا من الإيحاءات السّياسية والمهاترات المذهبية، بل والأساطير التي ما أنزل الله بها من سلطان، تروج لها الفضائيات ومختلف وسائل الاتصالات، وأكثرها لغو وباطل إلا من رحم الله وصدق أمير الشّعراء حين قال:

وإذا أتى الإرشاد من سبب الهوى … ومن الغرور فسمّه التّضليلا

وقال:

وإذا أراد الله إشقاء القرى … جعل الهداة دعاة شقاق

(1) - تقدم تخريجه: ص 91.

١٤٠ / ٥٠٤