صرخات
الجزء ١ · صفحة ٢٣٢طلعتم علينا كالكواكب في الدّجى … وسرتم إلينا كالسحائب في الجدب
بسطنا لكم منا قلوبا وأعينا … فدوسوا عليها لا تدوسوا على التّرب
أيها الإخوة الأعزاء: اسمحوا لي أن أعتذر إليكم عن هذا الصّوت المتهدّج وهذه اليد المرتعشة فقد أناخ عليّ الدّهر واشتعل الرّأس شيبا، فسلوت إلا عن صرير القلم وحفيف القرطاس، وخلوت إلا عن الرّفاق أمثالكم من زملاء الدّرب وأخلاء المهنة، وقديما قال عمر بن أبي ربيعة:
وذو الشّوق القديم وإن تعزّى … مشوق حين يلقى العاشقينا
فنحن -الجيل المخضرم- قد علمتنا اللّيالي كيف نحافظ على كنوز أمجادنا، ونعتز بمفاخر تراثنا مهما تطورت الأوضاع، وتغيّرت في النّاس الطّباع. لأننا لا نساوم في المبادئ والقيم، ولا نبذّل من توجّهنا ومن قناعاتنا في شباب أو كهولة، ولا في شيخوخة أو هرم.
ونرجو أن نكون ممن أثنى الله عليهم بقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُومِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّنْ يَّنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب:23).
لكأنني بلسان حالنا يردّد مع أمير الشّعراء قوله:
فمن يغتر بالدّنيا فإني … لبست بها وأبليت الثّيابا
جنيت بروضها وردا وشوكا … وذقت بكأسها شهدا وصابا
فلم أر غير حكم الله حكما … ولم أر دون باب الله بابا
ولا عظمت في الأشياء إلا … صحيح العلم والأدب اللّبابا
ولا كرمت إلا وجه حرّ … يقلد قومه المنن الرغابا