صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ٢٧٧

وكثيرا ما يتساءل البعض عن سرّ وجود الإباضية حتى اليوم رغم ما عاشوه من مطاردة وملاحقة عبر مسار التّاريخ الإسلاميّ في المشرق والمغرب، سيما بعد انقراض الدولة الرّستمية في المغرب الأوسط على يد الفاطميين. وتختلف التّصورات والتّقديرات في الإجابة على هذا السّؤال ويبقى الواقع المعيش من وجود الإباضية حتى اليوم هو الجواب الشّافي مهما تعدّدت الاحتمالات، فما هو سرّ ذلك البقاء؟. إنه النّظام الاجتماعي المتماسك الحلقات والمتمثل في نظام حلقة العزابة وتوابعها من قمة الهرم إلى قاعدته. ذلك النّظام المتميّز الذي أبدعته عبقرية الدّاعية الإباضي الإمام أبي عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي النّفوسيّ رحمه الله، وذلك بالتّشاور مع مشائخه وطلابه، وهو ينتقل بهم من نفوسة إلى جربة إلى وادي ريغ إلى وارجلان. ثمّ في نهاية المطاف إلى وادي ميزاب. بدءا من قرية "تاجنينت" العطف في سنة 409هـ/ 1018م. وحسب هذا النّظام البديع فعالية وتمكنا أن يستمرّ ما يزيد عن ألف سنة تركيزا لقواعد المجتمع الميزابي وتثبيتا لأركانه رغم الأعاصير والأنواء، وقساوة الطّبيعة في رمضاء الصّحراء. فما هو هذا النّظام، وما هي الهيئات المرتبطة به وما دورها الاجتماعي؟. ذلك ما حاوله الأستاذ السّعوديّ عيسى بن سليمان أن يجيب عنه في عرض موجز لا يتطلب تفرغا للنظر والدّراسة ولا يأخذ وقتا طويلا للقراءة والاستيعاب. لأن هذا النّظام قد ركز على الجانب التّطبيقي في تأطير مجتمع كادت تعصف به الرّياح الهوج، وتتوارث الأجيال آليات تطبيقه دونما حاجة إلى توثيق وتدوين، ولكن تحديات التّطور التي تعرضت لها بلادنا وإفرازات التّهجين الثّقافي لدى الأجيال المعاصرة، جعلت بعض الأصوات تتهجّم على هذا النّظام وتحاول التهوين من شأنه وهي لا تملك عنه تصوّرا صحيحا ولا معرفة حقيقية لأصوله وفروعه، وإنما هو العداء التّقليديّ لكل عرف قديم، والافتتان بالشّعارات الجوفاء من كل توجّه سقيم.

٢٧٧ / ٥٠٤