صرخات
الجزء ١ · صفحة ٢٨٢فيا أيها الحضور الكرام، حاملي الأمانة التّربوية عبر الأجيال، والمتفرغين لصناعة الرجال، والحاملين في مهمتهم للأعباء الثقال، لقد تداعينا اليوم لنقف وقفة الإخلاص والوفاء، ونعبّر عما يختلج في صدورنا من أحاسيس المودة والإخاء، ومن آيات الإجلال والتّقدير لرفيق لنا في مسيرتنا التّربوية المظفّرة، لم يفلّ عزمه عناء السّير، ولم تدم قدميه وعثاء الطّريق حتى ألقى عصا التّرحال وقد بلغ من الكبر عتيا، ليقضي بقية حياته -بإذن الله- هنيء البال راضيا مرضيا، إنه رفيقنا الودود فضيلة الشّيخ الحاج الأخضر الدّهمة.
أيها الأخ الكريم: أيّ شعور ينتابك اليوم وأنت بين رفاقك ولداتك كالدّرة اليتيمة لا تجد مقامها المحمود إلا في هذه الدّرر التي تنتظم معها في العقد النّضيد، ولا تفتخر بوجودها إلا لإعلاء صرح السّؤدد والفخار، وتركيز أسس العزة والكرامة بنشر الفضيلة والطّهر لدى المواطنين بين الصّغار والكبار.
فقد شاءت الأقدار أن تجمع بيننا في مجال العمل التّربويّ سنون عددا، وما تزال بلادنا يومئذ تتلمّس طريقها في مجالات البناء والتّشييد، وتجلى عن مقومات شخصيتها الوطنية ما تراكم عليها من نفايات العهد الاستعماري البغيض، رافقتك فما عرفت فيك إلا الرّفيق الودود والمربيّ القدير والمناضل الغيور الذي عرف كيف يكتسب ثقة رفاقه، ومودة طلابه، وعرف كيف يحبّب إليهم لغتهم الوطنية، وكيف يعتزون بأصالتهم الدّينية والتّاريخية، وهو في ذلك يتخذ لهم من نفسه القدوة الصّالحة، ومن سلوكه الأسوة الحسنة حتى بادلوه حبّا بحبّ ووفاء بوفاء، وما منهم اليوم -بعون الله- إلا أستاذ قدير أو إطار شهير، أو مواطن صالح بصير بشؤون زمانه خبير. وهم الكنز الغالي لكل مربّ يمتدّ به الأجل ليرى ثمرة جهوده في الأجيال التي مرت بين يديه، فغداها بحشاشة عقله وروّاها بمعين علمه.