صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ٢٩٤

ما أغلى نصائحك يا رسول الله، وما أبصرك بطبائع النّفوس البشرية حين قدمت هذه النّصيحة لشاب في مقتبل العمر تراوده الدّنيا بمفاتنها، وتغريه النّفس الفتية بنزواتها وشهواتها. وما ذلكم الشّابّ المنصوح له إلا عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - وقد امتلأ قلبه إيمانا ويقينا وحبّا لله ورسوله. فكان لهذه التّربية النّبوية ولهذا التّوجيه الكريم أثره البالغ في نفسه وفجّرت فيه ينابيع الصّلاح والتّقوى، فكان من خيرة الأصحاب زهدا وورعا وتفانيا في حبّ الرّسول وحرصا في اقتفاء خطواته وإتّباع سنته شبرًا بشبر وذراعا بذراع. ولقد خطط لحياته منهجا تحققت فيه هذه المعاني السّامية، وتبلورت فيه هذه التّربية النّبوية الصّادقة التي عبّر عنها بهذه الكلمات الخالدة حين قال: "إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصّباح، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك" فسبحان الذي خلق هذا الإنسان، وأوسع له في الأمل، وغشاه بالغفلة والنّسيان، فإذا به يلتمس اللّذة والمتعة في ما هو في حقيقته متاعب ومصائب، وتأخذه روح الامتلاك والاستحواذ والأنانية لما هو في حقيقته ودائع وأمانات، ويحاول الإقامة والاستقرار في ما جاء إليه عابر سبيل.

هي الدّار ما الآمال إلا ودائع … عليها وما اللّذات إلا مصائب

فلا تكتحل عيناك عنها بعبرة … على ذاهب منها فإنك ذاهب

فيا أيها العابث الولهان أقصر، فإن الأجل محدود، والأمل حبل ممدود، وأنت بباب الموت مرصود. فلا تفتننّك بهجة دار أنت تسكنها وما هي بمثواك، ولا يغويك مال ولا ولد يكون خصمك أمام مولاك. فمالك أيها المغرور تزهو بصحتك وفي بيتك سقيم ومعلول؟ ومالك تتطاول على النّاس بعلمك ومالك وأنت الظّالم الجهول؟ وتنتفش في مركوبك وأنت يوما على آلة حدباء محمول؟.

٢٩٤ / ٥٠٤