صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ٣٤٥

فيا مفرطا في آصاله أرفق، ويا مشتطا في دنياه أقصر، فإن الموت معقود بناصيتك هادما للذات والشّهوات، قاصما للآمال والرّغبات، فإن كنت مستشرفا للقاء الله، طالبا لرضاه فاعلم أن متاع الدّنيا قليل، وأن الآخرة هي دار القرار، وأن حسن العاقبة للمتقين الأبرار. فماذا يجديك المال والجاه؛ يوم تنكّس الرّؤوس وتنحني الجباه، وتخرس الألسن وتكمّم الأفواه يوم تشيب فيه الولدان، ويتجافى فيه الأصحاب والخلاّن، فإن كنت كيّسا حقا فخذ من شبابك لهرمك، ومن غناك لفقرك، ومن صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك، فإن الحياة لا تصفو ولا توادع، إلا لتراوغ وتخادع، ولا تواصل إلا لتعرض وتمانع، فكن كالذي قال عنها بعد خبرة وتمحيص:

فمن يغترّ بالدّنيا فإني … لبست بها وأبليت الثّيابا

لها ضحك القيان إلى غبيّ … ولي ضحك اللّبيب إذا تغابى

جنيت بروضها وردا وشوكا … وذقت بكأسها شهدا وصابا

فلم أر غير حكم الله حكما … ولم أر دون باب الله بابا

ولا عظمت في الأشياء إلا … صحيح العلم والكرم اللبابا

ولا كرمت إلا وجه حرّ … يقلّد قومه المنن الرّغابا

ويشهد الله تعالى أننا ما كرّمنا في هذا الفقيد المرحوم إلا المنن التي قلدّها قومه، وإلا التّضحيات التي قدّمها لوطنه، أما غير ذلك من حظوظ الدّنيا وحطامها فلا تساوي عند الله جناح بعوضة، وهي كما مثلها خالقها تعالى حين قال: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ اَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَآءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الاَرْضِ مِمَّا يَاكُلُ النَّاسُ وَالاَنْعَامُ حَتَّى إِذَآ أَخَذَتِ الاَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً اَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالاَمْسِ كَذَالِكَ نُفَصِّلُ الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (يونس:24).

٣٤٥ / ٥٠٤