صرخات
الجزء ١ · صفحة ٣٤٤وحين رفرفت ألوية النّصر وباركت الدّنيا الوليد الطيّب الزكيّ ءال على نفسه أن يواصل المشوار في مجالات البناء والتّشييد، وقد عجمت عوده المحن، وحنكته تصاريف الزّمن، فغدا مثالا للجدّ والمثابرة، آخذا بزمام المبادرة في مجال الاستثمار والتّصنيع، غير هيوب للعراقيل والمثبطّات ولا آبه حينها بالظّروف والمعطيات، بصيرا بشؤون زمانه، مقدرّا لمواقع خطوه في إصرار وعزيمة وفي نظرة للأمور حكيمة، لم يرض بالنّزر القليل لأنه يريد أن يكون دوحة فينانة يستظل بأفيائها كل من أرهقه السّير وطوّحت به المسافات في مباهجها ولأوائها وهو يتمثل بقول الشّاعر العربيّ:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم … وتأتي على قدر الكرام المكارم
وهل يرضى عظيم النّفس بالتّافه الدّون، وهل يلام من رام زهر النّجوم؟. بل حسب المرء من أحدوثة الذّكر وعظيم القدر أن ينعت بالخير والفضل في ما كسبت يداه، وأن يوسّع دائرة النّفع لخلق الله في عمله ومسعاه. ذلك بعض ما تحلّى به فقيدنا-رحمه الله- فهل نجد له من خلف يقتفي آثاره وخطاه؟. وإلا فإنه يحزّ في قلبنا أن نردّد مع الشّاعر قوله:
لعمرك ما الرّزية فقد مال … ولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الرّزية فقد شخص … يموت بموته خلق كثير
أيها الإخوة المؤمنون، فلو أن الحياة تبقى لحيّ لكان رسول الله أولى بطول العمر، فسبحان الحيّ القيوّم إذ قال لرسوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ (الزّمر:30). ولو أن المال يخلّد الإنسان لكان فقيدنا ممن يستبقي حياته بماله إلى أبد الآبدين. ولكن هيهات أن تتخلّف سنة الحياة والموت، وجلّ صاحب العزة والملكوت، وهو القاضي على خلقه بذلك حين قال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالاِكْرَامِ﴾ (الرّحمن:26 - 27). ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (العنكبوت:57).