صرخات
الجزء ١ · صفحة ٤٠٥وهل أروع من هذا المنظر العجيب الذي تتألق فيه أنوار التّقوى على الوجوه؟. وتتوهّج فيه بركات الصّلاح على النّفوس؟. منظر ملائكي يرضي الله ورسوله، يصدق فيه ما عبّر عنه أمير الشّعراء عند لقائه بثلة من أصدقائه الأوفياء فقال:
ملائكة إذا حفّوك يوما … أحبّك كل من تلقى وهابا
وإن حملتك أيديهم بحورا … بلغت على أكفّهم السّحابا
ترى الإيمان مؤتلقا عليه … ونور العلم والكرم اللّبابا
نعم -أيها المجمع الكريم- فما يصدّ الإنسان أن يرقى إلى مصافّ الملائكة في علاقته بالخالق، وفي علاقته بالخلق إلا أن تحتوشه الأوهام والظّنون، وإلا أن يكون له من الشّيطان قرين، فتتغلب عليه النّفس الأمّارة بالسّوء، فلا ينفكّ عما يسمّيه العلماء بدباغ السّوء، وبالتّالي تتغبّش رؤاه، ويكون ممن اتخذ إلهه هواه.
ألا ما أسعد النّفس المطمئنة المستنيرة بذكر الله وما أهنأ النّفس الموفقة إلى محبة خلق الله، وهل أتاكم نبأ ذلك الصّحابي الجليل الذي قال عنه رسول الله لأصحابه: «سيطلع عليكم رجل من أهل الجنة، قالها ثلاث مرات، فكان نفس الرّجل في المرات الثلاث، ثم كان ما كان بينه وبين عبد الله ابن عمر لمراقبة تصرفاته، فإذا به إنسان عاديّ بسيط، يكدح فلاّحا لكسب قوته، فلا يقوم اللّيل ولا يصوم النّهار، ولكن كان له قلب مخموم لا يحمل حقدا على أحد من المسلمين، فقال له ابن عمر: بهذا وصلت»(1).
(1) - رواه أحمد في المسند من حديث أنس، حديث 12697: 3/ 166.