صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ٦٢

فلا عجب أن ينزغ الشّيطان حينا بين الإخوة عندما تستحوذ عليهم الظّنون، فيتلاءمون، وقد يلجّون في ذلك ويتصارعون. وعلى قدر مضاضة الظّلم بين ذوي القربى ومرارة التّلاحي والقسوة بينهم، فإنه عندما يسكت الغضب في النفوس، تثوب إلى رشدها وتصحو من غفوتها، فإذا هي نادمة على ما فرط، وإذا هي جامعة لما انفرط.

ولقد كان الشّيخ الإمام في بني قومه كيوسف في إخوته حين أجمعوا على إذايته حسدا وظلما، وجاؤوا على قميصه بدم كذب بعد أن سوّلت لهم أنفسهم أمرا، غير أن العناية الإلهية قد أعدّته بذلك لأمر عظيم، إذ يصبح على خزائن الأرض هو الحفيظ العليم. والنّفس العظيمة في قمة مجدها لا تحمل الحقد الدّفين، ولا تغترّ بالعظمة والجاه والكبرياء. فماذا كان من يوسف حين جاءه إخوته عفاة يسترفدون؟؟ إنه السّماحة والحلم، والشّوق والحنين إلى ذوي القربى حين كشف لهم عن حقيقته وهو يتساءلون: ﴿قَالُوا أَ. نَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَآ أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَآ إِنَّهُ مَنْ يَّتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، قَالُوا تَاللهِ لَقَدَ ـ اثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ، قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (يوسف: 90 - 92).

لقد كان الشّيخ الإمام أيام محنته ذلك الشّهم العظيم صبورا محتسبا أمره لله مقلّب القلوب وكاشف الكروب حتى رأى من التّقدير والإجلال، ومن العدل والاعتراف والإنصاف في مهرجان ختم القرآن ما قرّت به عينه وطابت نفسه وهو يدنو من اللّقاء السّعيد في جوار ربّه.

٦٢ / ٥٠٤