صرخات
الجزء ١ · صفحة ٧الحمد لله الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونصلي ونسلّم على من هدانا للإيمان وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا، سيّدنا محمد وعلى آله وصحابته الأطهار الذين هداهم الله وأيّدهم بنصره وكفى بربّك هاديا ونصيرا.
أما بعد: شيوخنا الأفاضل، إخوتنا الأعزاء، أبناءنا البررة، ضيوفنا الكرام، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته. طبتم وطاب مسعاكم وتبوّأتم من الجنة منزلا. ماذا عساني أن أقول في هذا المحفل الكريم الذي لا يمكن فيه للألسنة أن تؤدي دورها في الإبانة والإفصاح عمّا يختلج في النّفوس ويعتلج في الخواطر. ذلك لأن العواطف في لحظات تألقها وإشراقات أنوارها، لا يمكن للقوالب اللّفظية أن تحتويها، ولا لغيرها من وسائل التّعبير أن تحيط بها، لأنها من شفافية الرّوح، لا من إفرازات البدن التي تخضع لضوابط الزّمان والمكان.
فسبحان الذي أبدع الإنسان على هذه الصّورة المثلى، ثم هداه ونفخ فيه من روحه، وأسجد له الملأ الأعلى تكريما لإنسانيته. ولعلّي لا أكون مبالغا إذا شبهت هذا اللّقاء السّعيد بلقاء أهل الجنة، وقد حفّت بهم ملائكة الرّحمن، يسلّمون عليهم من كل باب، وهم في بحبوحة النّعيم وفي رحمات الله ورضوانه. فما السّرّ في مثل هذه اللّحظات التي تتألق -أحيانا- في حياة الإنسان الصّاخبة تألّق النّجوم في ليالي الشّتاء؟، ألا إن السّرّ كل السّرّ هو ما كشفه خالق الإنسان عندما وصف أصحاب الجنة وهم في نعيمهم يتقلبون، فقال جلّ من قائل: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ اِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ، لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ (الحجر:47 - 48).