صرخات
الجزء ١ · صفحة ٨١أجل -أيها الإخوة- لقد غصّت كلماتي في حنجرتي يومها لهول الفاجعة، ولم يكتب لها أن تتلقاها الأسماع، إذ انفضّ الجمع وانسحب المحبّون والأشياع. واسمحوا لي -أيها الإخوة- إن ردّدت على مسامعكم بعض الفقرات التي حبّرتها من ذوب فؤادي قبل خمس سنوات، لأنني أعتقد أن الذي كنت أتوقعه لبلادي وقومي من عودة الوعي ويقظة الضّمير قد بدأ يتحقق -بفضل الله- ونرجو منه المزيد.
قلت: أيّها الإخوة الكرام، إننا تداعينا اليوم لنقف مليّا أمام معلم رمز في تاريخ هذا الوطن المفدّى، إنه شيخنا وإمامنا العلامة الحاج إبراهيم بن عمر بيوض -رحمه الله- ذلك الذي شاءت قدرة الله تعالى أن يكون في عداد الأفذاذ من علماء هذه الأمة، ممن صنعهم الله على عينيه، فأنبتهم نباتا حسنا، وصبغهم بصبغته، وآتاهم من علمه وحكمته، ليكوّن منهم جهاز المناعة في جسم هذه الأمة، وقد أحاطت به جراثيم الوباء لتنفذ إليه من كل باب، ولا شك أن هؤلاء العلماء الأعلام تصدق في وجودهم تنبّؤات الرّسول حين قال: «سيبعث الله على رأس كل قرن من يجدّد لهذا الدّين أمره»(1). أو كما قال.
وليس بدعا لأمة في أيام محنتها أن تذهل عن بعض رموزها مختارة أو مكرهة، لأن الحالات المرضية في فرد أو جماعة لا تستقيم معها معايير التّقييم لأصول طبيعتها وحقيقة معدنها، فالشّيخ الإمام بيوض -رحمه الله- لم يندّ عن هذه القاعدة في حياة الأمم، بما تعرّض إليه من أنواع الإذاية والمكر ومن الإجحاف والتّنكّر في حياته وبعد مماته.
قد تنكر العين ضوء الشّمس من رمد … وينكر الفم طعم الماء من سقم
(1) - تقدم تخريجه: ص 53.