صرخات
الجزء ١ · صفحة ٩٠سعادة السّفير، لعلّ السّير أضناكم وأنتم تدلفون في دروب هذه القرية الوديعة لتصلوا إلى قمّة ربوتها حيث يتربّع هذا البيت المعمور، ويجثم على صخورها منذ ما يزيد عن عشرة قرون، حين ارتاد مجرى هذا الوادي الأمين الدّاعية الإمام الشّيخ أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي رحمه الله مع مجموعة من طلبته وقطيع من أغنامه في أوائل القرن الخامس الهجريّ وكان الرّائد الأمين للأسر التي استقرت بالمنطقة، إذ وجدت فيها المنتجع الحيويّ والملاذ الأمين. وفي هذا المسجد بالذّات طبّق نظام حلقة العزابة بعد أن أكمل تصميمه وأرسى قواعده في منطقة "وادي ريغ".
ومنذ تلك الانطلاقة المباركة ما يزال هذا النّظام العتيد حصنا منيعا لأمانة الدّين ودليلا أمينا لقافلة المجتمع، ومسلكا مأمونا لمواكب الأجيال. يعلو من مئذنته صوت الحق مجلجلا بالغدوّ والأصال، وتتردّد في جنباته تسابيح الأدعية والصّلوات، وتراتيل آيات الله البيّنات فكل لبنة في هذا الصّرح العتيد، بل كل ذرة من ترابه الطّاهر لتلهج بذكر الله، وتؤوّب مع الحناجر المتبتلة إلى الله، وإن صوت الحق ليحدو بالأجيال من هذا المنبر ويشعّ نورا من هذا المحراب داعيا إلى الله في حكمة وأناة، ينبّه الغافل ويستأنس الشّرود، حتى تخشع القلوب لذكر الله، وتنقاد الجوارح لطاعة الله.